منذ أشهر، يجري الحديث عن «تعقيدٍ» يعرقل مسار التفاوض غير المباشر في رومة حول تطبيق اتفاق الإطار في جنوب لبنان. لكنّ قراءة ما يرشح من الجولات، ومن الإعلام الإسرائيلي نفسه، تكشف أنّ التعثّر ليس نتيجة غموضٍ تقني، بل حصيلة ثلاث لاءاتٍ إسرائيلية واضحة. تعطيلٌ يأتي من جهةٍ واحدة، فيما تُقصف أرض الجنوب يومياً. هنا محاولةٌ لتفكيك هذه اللاءات وما تعنيه لمستقبل الجنوب وناسه.

مسارٌ متعثّر لا بمحض المصادفة

انتهت الجولة السابعة من المفاوضات في رومة من دون تقدّمٍ يُذكر في مسألة توسيع «المناطق التجريبية»، بحسب ما أوردته وسائل إعلام لبنانية ودولية. ثمّ عُلّق تحديد موعد الجولة الثامنة، إذ ربطه مصدرٌ معنيّ بالمفاوضات، في حديثٍ لصحيفة «الشرق الأوسط»، بحصول «خرقٍ دبلوماسي حقيقي يُخرج المسار من المراوحة»، معتبراً أنّ «العائق الوحيد» هو عدم تجاوب إسرائيل. أي أنّ الجمود ليس لغزاً، بل خيارٌ لطرفٍ بعينه.

اللاء الأولى: لا لتوسيع «المناطق التجريبية»

المنطقة التجريبية هي الصيغة التي طُرحت لاختبار انسحابٍ إسرائيلي وعودة الجيش اللبناني إلى مواقعه جنوباً. لكنّ إسرائيل أعلنت أنّها لن توافق على توسيع هذه المناطق، وفق ما نقلته قناة «العربية» عن إعلامٍ إسرائيلي. في المقابل، شدّدت الرئاسة اللبنانية على أنّها تستبعد أن تكون هناك حاجة إلى «موافقة» إسرائيلية على المنطقة التجريبية، بينما لخّص مسؤولون لبنانيون الموقف لصحيفة «ذا ناشيونال» بعبارةٍ واحدة: «نحن نطبّق الاتفاق، وهم لا يفعلون شيئاً لتطبيقه».

اللاء الثانية: لا لأي دورٍ فرنسي أو أوروبي في الآلية

اللاء الثانية تطال هوية الضامن. فإسرائيل تعارض أي دورٍ فرنسي في آلية المناطق التجريبية، وفق المصدر الإعلامي الإسرائيلي نفسه الذي نقلته «العربية». وهذا الرفض يستهدف عملياً التحالف الإيطالي-الفرنسي الذي يسعى لبنان إلى إسناده، ويصبّ في خانة إضعاف أي حضورٍ دولي غير أميركي في الملف. وفي هذا الإطار، شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أنّ أي ترتيباتٍ ثنائية بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن تحلّ محلّ حضورٍ دولي في الجنوب.

اللاء الثالثة: لا للانسحاب من مناطق جديدة

أمّا اللاء الثالثة فهي الأصل: رفض الانسحاب. فقد رفضت إسرائيل، خلال المحادثات، الانسحاب من مزيدٍ من مناطق جنوب لبنان، وفق ما نقلته وكالاتٌ عن مصدرٍ مطّلع. عملياً، لا تزال قوات الاحتلال متمركزة في نقاطٍ خمس داخل الأراضي اللبنانية، ولم تنسحب سوى من جزءٍ محدود مما كان يُفترض أن يشمله المسار. الانسحاب، وهو جوهر أي تسوية، هو تحديداً ما تمتنع إسرائيل عن تقديمه.

وماذا بعد اليونيفيل؟

تتقاطع هذه اللاءات مع استحقاقٍ داهم: نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) المقرّرة أواخر 2026، وسط رفضٍ أميركي لتجديدها وغياب أي صيغةٍ بديلة متّفق عليها. وبينما يطرح لبنان وحلفاؤه الأوروبيون فكرة حضورٍ دولي بديل، تعرقل إسرائيل هذا الخيار أيضاً. وفي موازاة ذلك، تحدّثت صحيفة «معاريف» عن دراسة الجيش الإسرائيلي انسحاباً جزئياً من جنوب لبنان وغزة لإعادة تموضعٍ نحو الضفة الغربية. لكنّ اجتماع اللاءات الثلاث مع رحيل الخوذ الزرق يفتح الباب على سؤالٍ واحد: من يملأ الفراغ الأمني في الجنوب؟

الثمن على الأرض

ليست هذه اللاءات تفصيلاً على طاولةٍ مغلقة. فبينما يتجمّد المسار الدبلوماسي، سجّل السبت الماضي تصعيداً ميدانياً واسعاً: نحو 1030 مقذوفاً أطلقتها إسرائيل على الجنوب بين 21 و27 آب وفق اليونيفيل، وتوغّلٌ في كفرشوبا، وحرائق التهمت الأحراج. أي أنّ التعطيل الدبلوماسي يُترجَم ناراً على أرض الجنوب. صحيحٌ أنّ الرئيس جوزاف عون يشدّد على أنّ لا خيار إلا التفاوض لاستعادة الحقوق، لكنّ تفاوضاً تحت النار، مع طرفٍ يقول «لا» ثلاث مرات، يُفرّغ المسار من مضمونه. وفي انتظار خرقٍ لا يلوح بعد، يبقى أهل الجنوب هم من يدفعون الثمن أولاً.