منذ أسابيع، يتركّز الضغط الناري الإسرائيلي على تلة علي الطاهر المطلّة على النبطية، في ما تصفه تل أبيب بأنه ردّ على استهداف قواتها، وتقرأه بيروت رسالةً موجّهة إلى مسار التفاوض. لكنّ السؤال الذي بات يقلق أهل الجنوب لم يعد "متى تتوقف الغارات على التلة؟"، بل "أين تتوقف؟". فالتقديرات المتسرّبة إلى الصحافة اللبنانية تحذّر من أنّ حسماً ميدانياً سريعاً لمصلحة الجيش الإسرائيلي عند علي الطاهر قد يفتح الباب أمام توسيع الهجوم نحو عمقٍ أبعد: إقليم التفاح.
من التلة إلى الإقليم: خريطة التصعيد
لم يبقَ القصف الإسرائيلي محصوراً في التلة وحدها. بحسب تغطية قناة الجزيرة عبر خريطتها التفاعلية، امتدّت الغارات إلى محيط علي الطاهر وجبل الرفيع وجبل الريحان، في ما بدا محاولةً لتوسيع نطاق التغطية النارية وتأمين القوات المتقدّمة. وطالت الاستهدافات مناطق داخل إقليم التفاح نفسه، وهي منطقة جبلية وعرة يتّهم الاحتلال المقاومة بامتلاك بنية عسكرية فيها. بالتوازي، تواصل عمليات النسف والتفجير في ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" غرب الليطاني وجنوبه، ولا سيّما في المنصوري، حيث دُمّرت أحياء وقرى بأكملها بعد وقف إطلاق النار.
هذا الامتداد الجغرافي للنار ليس تفصيلاً تقنياً. إنه ما يجعل فرضية التوسّع نحو الإقليم قابلة للتصديق: القوة التي تقصف اليوم أطراف المنطقة قد تجعل منها غداً هدفاً مباشراً.
لماذا إقليم التفاح؟
إقليم التفاح رقعة جبلية تصل الداخل الجنوبي بمحيط النبطية وجزّين، تضاريسها الوعرة تمنحها قيمة عسكرية مضاعفة: صعبة على المهاجم، مؤاتية للمدافع. لهذا يتردّد اسمها كلما جرى الحديث عن "المرحلة التالية" من العدوان. ومن يقرأ منطق تل أبيب المعلن — "إزالة التهديدات" أينما وُجدت — يدرك أنّ الإقليم مرشّح بنيوياً ليكون المحطة اللاحقة إذا ما سقطت علي الطاهر وتحوّلت إلى نقطة انطلاق.
سيناريو رفح: مكسب عسكري لغايات انتخابية
يربط خبراء إسرائيليون التصعيد بحسابات نتنياهو الداخلية أكثر من ربطه بالميدان اللبناني. يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي شادي شرفا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى تكرار "سيناريو رفح" في علي الطاهر: السيطرة على الموقع وتقديمه إنجازاً عسكرياً قبيل الانتخابات، تماماً كما واصل عملياته في رفح رغم الضغوط الأميركية قبل أن يعلن حسمها. ووفق شرفا، فإنّ اقتراب موعد الاقتراع يدفع نتنياهو إلى تأجيل التزاماته في لبنان وغزة، لأنّ أيّ انسحاب من قرى جنوبية إضافية سيُقرأ ضربةً سياسية أمام قاعدته اليمينية. بهذا المعنى، لا يكون توسيع العدوان قراراً أمنياً بحتاً، بل ورقةً انتخابية يُدفع ثمنها دماً في الجنوب.
الضوء الأخضر الأميركي... وحدوده
يبقى الموقف الأميركي هو المتغيّر الحاسم. يذهب المحلّل اللبناني طارق ترشيشي إلى أنّ واشنطن ربما منحت إسرائيل ضوءاً أخضر لمواصلة استهداف حزب الله في الجنوب وربما خارجه، مستنداً إلى مواقف أميركية سابقة حمّلت الحزب مسؤولية تعثّر الحلول. غير أنّ رواية أخرى تضع حدوداً لذلك الضوء: فبحسب ما نقلته "إرم نيوز" عن مصادر أميركية، رفضت واشنطن طلباً إسرائيلياً لشنّ عملية واسعة في لبنان، محذّرةً من أنّ توسيع الهجوم من علي الطاهر إلى قرى ومناطق أخرى قد يؤدّي إلى انهيار مسار المفاوضات الذي ترعاه.
بين الروايتين تكمن المعادلة كلّها: إسرائيل تقرأ غياب الضغط الأميركي الكافي ضوءاً أخضر، وواشنطن تريد تصعيداً مضبوطاً لا ينسف طاولتها. وفي هذا الهامش الرمادي، يتقرّر مصير قرى بأكملها. يُذكر أنّ اتفاق الإطار الموقّع في السادس والعشرين من حزيران 2026 برعاية أميركية ينصّ على انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلّحة؛ لكنّ الجولة التفاوضية الأخيرة أخفقت بعدما رفضت إسرائيل الانسحاب من مناطق اقترحها لبنان، بينها الخيام وبنت جبيل، فعاد الوفد اللبناني محبطاً.
اختبارٌ لإيران، وكلفةٌ يدفعها الجنوب
في قراءة أوسع، يضع الخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري التصعيد في سياقين: مسعى نتنياهو لإعادة ترتيب المنطقة على قاعدة التفوّق الإسرائيلي، والجمود في المسار الأميركي–الإيراني. ويرى أنّ إسرائيل تختبر عبر النار ردّ فعل إيران، خصوصاً بعد التغييرات العسكرية الأخيرة في طهران. أمّا الكلفة، فيقول الزويري بوضوح إنّ من يدفعها هم اللبنانيون والفلسطينيون. وهذه هي النقطة التي تغيب عن حسابات المكاسب الانتخابية وموازين الضغط الدبلوماسي: أنّ خلف كل "هدف" على الخريطة بيوتاً وحقولاً وناساً.
الجنوب في الانتظار
يعيش أهل الإقليم اليوم على وقع سؤالٍ معلّق فوق رؤوسهم: هل يصلهم الدور؟ في الفترة الأخيرة وحدها سقط أكثر من أحد عشر شهيداً في محور علي الطاهر وأنصار ودير الزهراني وقرى مجاورة، بينهم أفراد عائلة واحدة في أنصار، وفق ما نقله ترشيشي. هؤلاء ليسوا أرقاماً في نشرة، بل وجوهٌ من أرضٍ اعتادت أن تُحسب هامشاً في السياسة ومركزاً في التضحية.
قد يتوقّف العدوان عند علي الطاهر، وقد يمضي إلى الإقليم. لكنّ ما لا يتغيّر هو أنّ القرار يُصنع في مكان آخر — في تل أبيب وواشنطن وطاولات التفاوض — بينما الأرض التي يُقايَض عليها هنا، ثابتةٌ في مكانها، وأهلها معها.





