يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وليّ العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في باريس يومي الأحد والاثنين، في زيارةٍ رسمية وصفها الإليزيه بأنّها تعكس "حيوية الحوار" بين البلدين. ووفق ما نقلته صحف فرنسية عن قصر الإليزيه، يعقد الزعيمان للمرة الأولى اجتماعاً لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي-السعودي، ويتناولان "الملفات الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى" إلى جانب أزمات المنطقة، وفي مقدّمها لبنان وسوريا وغزّة وأمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

بين كل هذه العناوين، يبرز اسمٌ واحد أكثر من غيره في القراءات اللبنانية للزيارة: بيروت.

لبنان في قلب المحادثات

نقلت مصادر دبلوماسية فرنسية، أوردتها وسائل إعلام، أنّ "لبنان سيكون في صميم المباحثات بين ماكرون وبن سلمان"، في ضوء التشاور المستمر بين العاصمتين ودعمهما المعلن لسيادة لبنان وشرعية مؤسّساته. وتشير القراءات نفسها إلى أنّ المحادثات ستتناول كذلك القضية الفلسطينية والوضع في سوريا، ما يجعل الملف اللبناني جزءاً من مقاربةٍ إقليمية أوسع لا ملفاً معزولاً.

هذا التموضع ليس جديداً في الدبلوماسية الفرنسية، لكنّه يكتسب اليوم إلحاحاً مضاعفاً: فبعد أشهرٍ من الحرب على الجنوب، ومع اقتراب نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة (اليونيفيل) في الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، يبحث لبنان عن مظلّةٍ سياسية ومالية تُسنِد دولته الهشّة في مرحلةٍ انتقالية دقيقة.

رهان ماكرون: الرياض جسراً نحو واشنطن

الجديد في هذه الجولة هو الرهان الفرنسي الصريح على الوزن السعودي. فبحسب ما نقلته وسائل إعلام لبنانية، يعوّل ماكرون على "الثقل السياسي للرياض كجسر تواصلٍ وتأثير" لإقناع واشنطن بجدوى انخراطٍ فرنسي فاعل في المشهد اللبناني. بعبارةٍ أخرى، تدرك باريس أنّ مفاتيح كثيرة في الملف اللبناني، من الضغط على إسرائيل إلى تمويل التعافي، تمرّ عبر توافقٍ أميركي-خليجي لا تملكه فرنسا وحدها.

الرياض، من جهتها، لاعبٌ تاريخيٌّ في لبنان، وقد شكّل موقفها في السنوات الأخيرة أحد محدّدات المساعدات والاستثمار وإعادة الإعمار. أن يجلس الملف اللبناني على طاولةٍ فرنسية-سعودية مباشرة يعني أنّ أيّ دعمٍ مقبل سيُصاغ في هذا الإطار، لا خارجه.

ما الذي يعنيه ذلك للبنان فعلاً

ثلاثة ملفات لبنانية تنتظر ترجمةً عملية لأيّ "دعمٍ للسيادة":

أوّلاً، تطبيق اتفاق الإطار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب. فالجيش اللبناني يتسلّم مواقع اليونيفيل موقعاً بعد آخر، بينما تتواصل الخروقات والغارات، ما يجعل مسألة الضمانات الدولية جوهرية لا شكلية.

ثانياً، دعم الدولة ومؤسّساتها، وفي القلب منها الجيش، في لحظةٍ يُطلب فيها منه ملء الفراغ الأمني في الجنوب من دون إمكاناتٍ كافية.

ثالثاً، تمويل إعادة الإعمار. فالبنك الدولي توقّع في تقريره الأخير أن ينكمش الاقتصاد اللبناني 6.4 في المئة في 2026، مرجعاً ذلك إلى تبعات الحرب وتدمير المنازل والبنى التحتية والنزوح المطوّل. أيّ حديثٍ عن تعافٍ من دون تمويلٍ خارجيٍّ ضخم يبقى حبراً على ورق.

بينما يُبحث المصير في القصور

يبقى أنّ ما يُقال في قاعات باريس المكيّفة يجري على وقع مشهدٍ مختلف تماماً على الأرض: قرى الجنوب لا تزال تحت النار، ومنازل تُفجَّر وأحياء تُمحى بعد وقف إطلاق النار، وأهلٌ يؤجَّل عودتهم مرّةً تلو الأخرى. هؤلاء، الأكثر تضرّراً والأقل حضوراً على الطاولات، هم من سيُقاس عليهم في النهاية معنى أيّ "دعمٍ للسيادة".

فالسيادة، في نسختها الملموسة، ليست بياناً مشتركاً في ختام قمة، بل قدرة عائلةٍ في بلدةٍ حدودية على النوم في بيتها من دون أن يُدمَّر فوق رأسها. وبين هذا وذاك، ينتظر لبنان أن يتحوّل الاهتمام الدبلوماسي المتجدّد إلى ضماناتٍ فعلية: وقفٍ للعدوان، وانسحابٍ، وإعادة إعمار. أمّا الأقوال، فقد سمع منها اللبنانيون الكثير.