في روما، حيث حطّ الرئيس جوزاف عون في جولةٍ دبلوماسية بدأها من الفاتيكان، جاء الترحيب اللبناني سريعاً: نعم لمظلّةٍ دولية جديدة في الجنوب. فقد رحّب عون، الجمعة، بإعلان فرنسا وإيطاليا السعي لتشكيل تحالفٍ دولي متعدّد الجنسيات يحلّ محلّ قوة اليونيفيل بعد انتهاء مهمّتها نهاية العام. لكنّ خلف لغة البيانات الدافئة، يتردّد في الجنوب سؤالٌ أقدم من كلّ المبادرات: من يحمي فعلاً أهل الحدود؟
ترحيبٌ من الرئاسة
رأى عون في المبادرة، وفق بيانٍ عن الرئاسة اللبنانية، «تعبيراً صادقاً عن الالتزام الدولي بدعم سيادة لبنان واستقراره، وتثميناً حقيقياً للدور الذي تضطلع به القوات المسلحة اللبنانية في حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لا سيّما في المناطق الحدودية الجنوبية». وأعرب عن تقديره للتأكيد الفرنسي-الإيطالي على «عدم ترك أيّ فراغ خطير في مرحلة ما بعد اليونيفيل»، مبدياً تطلّع لبنان إلى «أيّ صيغة دولية تعزّز قدرات قواته المسلحة وتصون وحدة أراضيه، وتحول دون تحوّل أرضه إلى ساحةٍ للتصعيد أو التجاذبات الإقليمية».
ما الذي أعلنه ماكرون وميلوني؟
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن، بعد محادثاتٍ مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أنّ باريس وروما تريدان «إطلاق ائتلاف حول آلية عملٍ لما بعد اليونيفيل، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لتعزيز سيادة لبنان وقواته المسلحة والحؤول دون أن تصبح أراضيه قاعدةً لتصعيدٍ إقليمي». أمّا ميلوني فأكّدت أنّ «بعثة اليونيفيل تنتهي في نهاية العام، ونعتقد أنّه من الضروري ضمان وجودٍ دولي يمنع حدوث فراغٍ أمني خطير للغاية». المبادرة، حتى الساعة، إعلان نوايا لا آلية جاهزة؛ شكلها وصلاحياتها وجدول عملها ما زالت قيد التبلور.
على الأرض، الجيش يتقدّم
يتقاطع هذا المسار الدبلوماسي مع ما يجري ميدانياً في الجنوب: فبقرارٍ من مجلس الأمن الدولي تنتهي ولاية اليونيفيل في الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، وقد بدأ الجيش اللبناني فعلياً يتسلّم مواقع القوة الدولية موقعاً بعد موقع، آخرها موقع الخردلي عند الليطاني. أي أنّ الدولة تراهن على مسارين متوازيين: جيشها الذي يملأ الفراغ على الأرض، ومظلّةٍ دولية تسند هذا الانتشار سياسياً ومالياً. نجاح الرهان مرهونٌ بأن يلتقي المساران فعلاً، لا أن يبقى أحدهما حبراً على ورق.
الجنوب يسأل عن الضمانة
لأهل الجنوب ذاكرةٌ طويلة مع القوات الدولية. جاءت اليونيفيل عام 1978، ومكثت نحو نصف قرن، فيما لم تتوقّف الاعتداءات الإسرائيلية، برّاً وجوّاً، ولا سقوط الشهداء بين المدنيين. من هنا يُقرأ الترحيب اللبناني بحذرٍ في القرى الحدودية: أيّ مظلّةٍ جديدة تُقاس بقدرتها على ردع العدوان وحماية الناس، لا بعدد الأعلام التي ترفعها. فالفراغ الذي يخشاه الجميع ليس فراغ خرائط، بل فراغ الحماية عمّن يعيشون على خطّ النار.
سيادةٌ لا تُستورد
يبقى الجوهر أنّ أيّ ترتيبٍ دولي، مهما حسُنت نواياه، لا يصنع السيادة بل يسندها في أحسن الأحوال. السيادة تُبنى من الداخل: دولةٌ قادرة، جيشٌ مجهّز، وقرارٌ وطني يحمي الجنوب كما يحمي سائر لبنان، ويضع حدّاً للعدوان والاحتلال بدل إدارتهما. الترحيب بالائتلاف الفرنسي-الإيطالي خطوةٌ مفهومة في لحظةٍ دقيقة، لكنّ الرهان الحقيقي أن يكون سنداً لدولةٍ تقف على قدميها، لا بديلاً منها. عندها فقط يطمئنّ أهل الجنوب إلى أنّ مرحلة ما بعد «القبعات الزرق» ليست فصلاً جديداً من الانتظار.





