في أروقة السياسة اللبنانية سؤالٌ يتنقّل همساً، ولا يجرؤ أحدٌ على طرحه بصوتٍ عالٍ: ماذا بعد نبيه بري؟ نقلت "اندبندنت عربية" في تقريرٍ لها (30 كانون الثاني/يناير 2026) أنّ محاولات التواصل مع شخصياتٍ من داخل حركة "أمل" أو قريبةٍ منها للحديث في خلافة رئيس مجلس النواب اصطدمت جميعها برفضٍ قاطع، "لا من قريبٍ ولا من بعيد". هذا الصمت المنظّم ليس تفصيلاً عابراً؛ إنّه المدخل إلى سؤالٍ أوسع يخصّ الجنوب كلّه: من يقود جيله المقبل، وهل يكون ذلك تجديداً حقيقياً أم إعادة إنتاجٍ للزعامات نفسها على أسماء الأبناء؟
الجنوب اليوم عالقٌ بين قوّتين متعاكستين. من جهةٍ، عُرفٌ لبناني راسخ يجعل من السياسة إرثاً عائلياً ينتقل من الأب إلى الابن. ومن جهةٍ ثانية، خطابٌ تأسيسي وُلد في هذه الأرض بالذات، رفع شعار كسر "الإقطاع السياسي" ورفض توريث الزعامة. بين هذين النقيضين يقف جيلٌ جديد من أبناء نوابٍ ووزراء سابقين، وأرضٌ أنهكتها الحرب، وناسٌ يُتحدَّث باسمهم كثيراً ويُسمَع صوتهم قليلاً.
التوريث: متلازمة لبنانية لا يفلت منها الجنوب
ليست وراثة المقاعد ظاهرةً جنوبية أو طائفية بعينها، بل سِمةٌ عابرة للطوائف في لبنان. رصدت وكالة "فرانس برس" عشية استحقاقٍ نيابيّ سابق أنّ العائلات السياسية التقليدية لا تزال تُهيمن على المشهد، حتى حين يتقدّم مرشحون جدد، وأنّ الورثة أنفسهم باتوا "يقدّمون أنفسهم على أنّهم من قوى التغيير". في هذه المعادلة، يرث الابن اسم أبيه قبل أن يرث برنامجه، ويُختصر التمثيل السياسي في سلالةٍ لا في مشروع.
الجنوب ليس استثناءً من هذا العُرف. فحين يغيب جيل المؤسّسين، يصبح السؤال المشروع: هل يملأ الفراغ من يحمل همّ الناس، أم من يحمل الاسم العائلي فحسب؟
بري: الزعيم الذي بلا وريثٍ معلَن
وُلد نبيه بري في 28 كانون الثاني/يناير 1938 في مدينة فريتاون بسيراليون، ووالده مصطفى بري كان أحد وجهاء بلدة تبنين الجنوبية، بحسب سيرةٍ نشرتها "بي بي سي عربي". تنقّل في دراسته بين مدارس تبنين وبنت جبيل وصور وبيروت، ونال إجازةً في الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1963 قبل أن يُكمل دراسته العليا في السوربون. في منتصف الستينيات تعرّف إلى الإمام السيد موسى الصدر وتأثّر بأفكاره حتى غدا من أبرز مساعديه.
يتربّع بري على رأس مجلس النواب منذ عام 1992، وأُعيد انتخابه أكثر من مرّة كان آخرها عام 2022، ليصبح صاحب أطول ولايةٍ في رئاسة المجلس في تاريخ لبنان، وواحداً من أكبر رؤساء البرلمانات في العالم سنّاً وقد بلغ الثامنة والثمانين. لكنّ هذه الاستمرارية الطويلة تُخفي مفارقةً لافتة: لا وريث جاهزاً.
تقول "اندبندنت عربية" إنّه "على عكس معظم المناصب السياسية، لا يوجد وليّ عهدٍ واضح، لا داخل عائلة بري ولا داخل حركة أمل، لموقع رئاسة المجلس"، وإنّ بري "لم يعمل على تحضير خليفةٍ محدّد، ما يترك فراغاً كبيراً". ونقلت عن مصادر قريبة من الحركة أنّ الملف "غير مطروح للنقاش ما دام الرئيس على قيد الحياة"، بل إنّ رئيس كتلة "حزب الله" النائب محمد رعد قطع الطريق على أيّ نقاش حين أكّد الاستمرار في انتخاب بري "حتى في حال وفاته".
"الزعامة لا تورَّث": حين يصطدم الخطاب بالواقع
في مواجهة شائعات التوريث، خرج عبدالله نبيه بري، نجل رئيس المجلس، ليضع حدّاً للكلام، مؤكداً عبر موقع "النشرة" أنّ حركة "أمل" "لم ولن تكون لآل بري، بل لكلّ العائلات اللبنانية". واستند إلى قولٍ لوالده: "غايتنا في حركة أمل لم تكن المواقع، أو استبدال النظام الإقطاعي بطبقةٍ سياسية على ظهر بعضها البعض".
يبقى السؤال: هل ينسجم الخطاب المعلن مع ما يجري في الكواليس؟ إذ تتحدث مصادر مطلعة عن تحرّكات واتصالات لعبد الله بري تُوحي بتحضيرٍ هادئ لمرحلةٍ مقبلة. لكنّ هذه المصادر نفسها تُشدّد على أنّ بيئة الجنوب لم تعد على استعدادٍ لتقبّل مبدأ التوريث؛ فالجيل الذي دفع أثمان الحرب وخساراتها بات أكثر تطلّباً، وأقلّ تسليماً بأن تنتقل الزعامة بالوراثة العائلية بمعزلٍ عن الكفاءة والتمثيل الفعلي لهموم الناس.
هذا الكلام ليس تفصيلاً عائلياً؛ إنّه صدى لوعدٍ تأسيسي. فحركة "أمل" وريثةُ "حركة المحرومين" التي أسّسها موسى الصدر، والتي رفعت في زمنها راية المهمَّشين والمنسيّين في الأطراف، وتوارت مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 قبل أن تعود باسمٍ جديد. أن يُقال اليوم إنّ "الزعامة لا تورَّث" هو تذكيرٌ بأنّ المشروع بدأ نقيضاً للإقطاع، لا امتداداً له. المسافة بين ذلك الوعد وواقع السياسة العائلية في لبنان هي، في العمق، جوهر الحكاية.
هل يكفي أن يكون المرشّح شيعياً؟
يذهب بعض المراقبين إلى أنّ فوز نوابٍ شيعةٍ مستقلّين عن "الثنائي" قد يفتح باب الترشّح لرئاسة المجلس. لكنّ "اندبندنت عربية" تنقل عن محلّلين أنّ مجرّد كون المرشّح شيعياً لا يكفي، إذ تتطلّب الرئاسة "شرعيةً طائفية مستمدّة من القوى الشيعية الرئيسة"، وأيّ مرشّح خارج هذا الإطار "سيُنظر إليه كمفروضٍ من الخارج".
النائب السابق بطرس حرب، الذي عاصر ثلاثة رؤساء للمجلس على مدى أربعة عقود، يرى أنّه "لا يوجد شخصٌ لا يمكن استبداله"، مستشهداً بالمثل الشعبي "مات النبي ولم تتعطّل أمّته"، لكنّه يستبعد في المقابل ظهور بديلٍ ما دام بري حيّاً، لأنّ قانون الانتخاب الحالي لا يسمح باختراق المقاعد الشيعية. ويذكّر بما ورد في مذكّرات بري (التي دوّنها الصحافي نبيل هيثم وصدرت عام 2004) من أنّ نائباً شيعياً حاول ذات مرّةٍ طرح نفسه، فأبلغه بري أنّ "وحدة الطائفة خطٌّ أحمر"، فانسحب. أمّا الكاتب السياسي نبيل بومنصف فيرى أنّ المسألة "قد تُبحث في الكواليس داخل حركة أمل على المدى البعيد، لكن ليس لهذه الدورة".
بهذا المعنى، فإنّ خلافة الموقع في عين التينة محكومةٌ بتوازناتٍ أكبر من أيّ اسمٍ فردي، جنوبياً كان أم سواه.
جنوبٌ يسأل عن غدِه
خلف سؤال الكرسيّ في بيروت، ثمّة سؤالٌ أثقل يخصّ الأرض وأهلها. كانت الانتخابات النيابية مقرّرةً في أيار/مايو 2026 قبل أن تُرجأ على وقع الحرب الإسرائيلية على لبنان، بحسب ما أوردته تقارير علنية. والجنوب هو من دفع الثمن الأفدح: قرى مدمّرة، أهلٌ نازحون، وشهداء لم تُطوَ صفحتهم بعد.
في هذا السياق، لا يكون السؤال الحقيقي "من يرث مقعداً" فحسب، بل من يحمل همّ جنوبٍ خرج من الحرب منهكاً، ومن يعيد إليه صوتاً طالما نُطق باسمه. الجيل المقبل من أبناء الزعامات قد يرث الأسماء والشبكات، لكنّ زعامة أرضٍ جريحة تُكتسب ولا تُورَّث؛ تُقاس بما يُقدَّم لأهلها، لا بما يُحمَل من ألقاب.
يبقى السؤال معلّقاً، كما تُركت الكراسي معلّقةً بانتظار موعدٍ انتخابيّ أُجّل: هل يكون الغد تجديداً يُنصف المنسيّين، أم مجرّد فصلٍ جديد من كتابٍ قديم؟





