ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:
تحمل عبارة «قضية الإمام» عند حركة أمل معنيين متلازمين: قضية اختفاء المؤسّس الذي لم يُكشف مصيره، والقضية الاجتماعية التي رفعها باسم المحرومين. على مدى أربعة عقود، ظلّ هذان المعنيان جزءاً من هوية الحركة. واليوم، ومع تقدّم رئيسها في السنّ، يعود سؤالٌ يتنقّل همساً في أروقة السياسة اللبنانية: ماذا بعد نبيه بري؟ سؤالٌ مشروع، لكنّ الجواب عنه ليس جاهزاً، ولا ينبغي البناء فيه على التكهّن.
أربعة عقود في ظلّ رئاسةٍ واحدة
وُلد نبيه بري في الثامن والعشرين من كانون الثاني 1938 في مدينة فريتاون بسيراليون، ووالده مصطفى من بلدة تبنين الجنوبية، بحسب سيرةٍ نشرتها «بي بي سي عربي». نال إجازةً في الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1963 قبل أن يُكمل دراسته في السوربون، وتعرّف في منتصف الستينيات إلى الإمام موسى الصدر فتأثّر بأفكاره وغدا من أبرز مساعديه.
بعد سنتين على اختفاء الصدر، تولّى بري رئاسة حركة أمل عام 1980. ومنذ عام 1992 يتربّع على رأس مجلس النواب، وأُعيد انتخابه أكثر من مرّة كان آخرها عام 2022، ليصبح صاحب أطول ولايةٍ في رئاسة المجلس في تاريخ لبنان الحديث. تحوّلت أمل تحت قيادته من حركةٍ اجتماعية-عسكرية في زمن الحرب إلى قوّةٍ سياسية ونيابية راسخة بعد اتفاق الطائف، حتى بات اسم الرجل ملازماً لاسم الحركة في الوعي العام.
قضية الإمام في هوية الحركة
لم تنفصل حركة أمل يوماً عن قضية مؤسّسها. بقيت ذكرى تغييب الصدر حاضرةً في خطابها السنوي، عنواناً لهويّتها ومصدراً لشرعيّتها الرمزية. كلّ حادي وثلاثين من آب، تعود القضية إلى الواجهة، تذكيراً بأنّ الملف لم يُغلق وبأنّ المطلب بمعرفة الحقيقة ما زال قائماً.
هذا الارتباط بين الحركة وقضية مؤسّسها منح أمل بُعداً يتجاوز السياسة اليومية. فالإمام الغائب ليس مجرّد مؤسّس، بل رمزٌ حيّ في وجدان الحركة وجمهورها، وحضورٌ معنويّ يتجدّد كلّ عام.
زعيمٌ بلا وريثٍ معلَن
خلف هذه الاستمرارية الطويلة مفارقةٌ لافتة: لا وريث جاهز. نقلت «اندبندنت عربية» في تقريرٍ (30 كانون الثاني 2026) أنّ محاولات التواصل مع شخصياتٍ من داخل حركة أمل أو قريبةٍ منها للحديث في خلافة رئيس المجلس اصطدمت جميعها برفضٍ قاطع، وأنّه «على عكس معظم المناصب السياسية، لا يوجد وليّ عهدٍ واضح، لا داخل عائلة بري ولا داخل حركة أمل». ونقلت عن مصادر قريبة أنّ الملف «غير مطروح للنقاش ما دام الرئيس على قيد الحياة».
في مواجهة شائعات التوريث، خرج عبدالله بري، نجل رئيس المجلس، ليضع حدّاً للكلام، مؤكداً عبر موقع «النشرة» أنّ حركة أمل «لم ولن تكون لآل بري، بل لكلّ العائلات اللبنانية». وهو موقفٌ معلَن يستحقّ أن يُثبَّت كما قيل، بمعزلٍ عن قراءة الكواليس. أمّا داخل التحالف الشيعي، فقد قطع رئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد الطريق على النقاش حين أكّد الاستمرار في انتخاب بري «حتى في حال وفاته».
خصّصنا لهذا السؤال تقريراً مفصّلاً يتتبّع مأزق التوريث في الجنوب بين وعدٍ تأسيسي رفع راية كسر الإقطاع وواقع السياسة العائلية اللبنانية: وراثة الزعامة في الجنوب: جيلٌ ينتظر، وسؤالٌ يتهرّب منه الجميع.
شرعيةٌ طائفية لا اسمٌ فردي
ما يجعل السؤال أعقد من مجرّد أسماء، أنّ رئاسة المجلس ليست موقعاً يُورَّث بالرغبة الفردية. يرى محلّلون تنقل عنهم «اندبندنت عربية» أنّ مجرّد كون المرشّح شيعياً لا يكفي، إذ تتطلّب الرئاسة «شرعيةً طائفية مستمدّة من القوى الشيعية الرئيسة»، وأيّ مرشّح خارج هذا الإطار «سيُنظر إليه كمفروضٍ من الخارج».
النائب السابق بطرس حرب، الذي عاصر ثلاثة رؤساء للمجلس على مدى أربعة عقود، يرى أنّه «لا يوجد شخصٌ لا يمكن استبداله»، لكنّه يستبعد ظهور بديلٍ ما دام بري حيّاً بحكم توازناتٍ انتخابية قائمة. بهذا المعنى، فإنّ خلافة الموقع محكومةٌ بتوازناتٍ أكبر من أيّ اسمٍ فردي. ومن الحكمة هنا التمييز بين طرح السؤال وادّعاء الجواب: لا مؤشّرات مؤكّدة تسمح بترجيح سيناريو على آخر، وما يمكن قوله بثقة إنّ حركةً بهذا الحجم ستواجه، كأيّ تنظيم، سؤال الاستمرارية، وإنّ إجابتها ستُقاس بقدرتها على تجاوز شخصنة القيادة نحو مؤسّسةٍ أكثر رسوخاً.
قضيةٌ أكبر من تنظيم
يبقى أنّ قضية موسى الصدر، في بُعدها الأصلي، أكبر من أيّ تنظيمٍ سياسي. فمطلب معرفة مصير الإمام ورفيقيه مطلبٌ إنسانيّ وقضائيّ لا يسقط بالتقادم، يعني عائلات المغيّبين قبل أن يعني حزباً أو حركة. والقضية الاجتماعية التي رفعها، إنصاف المحرومين، تبقى سؤالاً وطنياً عابراً للأطر الحزبية.
وفي جنوبٍ خرج من حربٍ إسرائيلية منهكاً، حيث أُرجئت انتخاباتٌ نيابية كانت مقرّرةً في أيار 2026 على وقع الحرب بحسب تقارير علنية، لا يكون السؤال الأثقل «من يرث مقعداً»، بل من يحمل همّ أرضٍ جريحة وأهلٍ نُطق باسمهم طويلاً وسُمع صوتهم قليلاً. بهذا المعنى، لا يرتهن إرث الصدر بمستقبل حركةٍ بعينها؛ فالرجل الذي رفع صوت المنسيّين ترك أثراً أوسع من أيّ تنظيم، وسؤاله المعلّق، عن دولةٍ تُنصف محروميها، يبقى مطروحاً على اللبنانيين جميعاً، مهما تبدّلت المواقع والأسماء.





