ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:

ما يثير الحيرة في قضية موسى الصدر ليس كثرة الروايات فحسب، بل قلّة المؤكَّد فيها. بين وصولٍ موثّق إلى طرابلس واختفاءٍ تامّ بعد أيام، تقع مساحةٌ رمادية ملأتها التكهّنات نصف قرن. في هذه الحلقة نعيد ترتيب ما هو ثابتٌ من وقائع الأيام الأخيرة، ونضع حدّاً فاصلاً بين ما نعرفه وما لا نعرفه.

25 آب 1978: المغادرة إلى ليبيا

في الخامس والعشرين من آب 1978، غادر موسى الصدر لبنان في طريقه إلى ليبيا، تلبيةً لدعوةٍ رسمية من العقيد معمّر القذافي للقاء مسؤولين في الحكومة الليبية. رافقه في الرحلة اثنان: الشيخ محمد يعقوب، رجل الدين، والصحافي عباس بدر الدين. كان لبنان يومها غارقاً في حربٍ أهلية، والإقليم يضجّ بالاستقطابات، وللصدر خصومٌ كثر في الداخل والخارج بحكم موقعه ومواقفه.

لم تكن الزيارة سرّية. عُرف موعدها ووجهتها، وهو ما جعل الغموض اللاحق أشدّ وقعاً: رجلٌ بهذه المكانة يسافر في زيارةٍ معلنة، ثم يتبخّر أثره في بلدٍ مضيف.

أيامٌ في طرابلس بانتظار اللقاء

أمضى الوفد أياماً في العاصمة الليبية بانتظار الاجتماع بالمسؤولين. لا تتوفّر عن هذه الأيام تفاصيل موثّقة كثيرة؛ ما تجمع عليه الروايات أنّ الرجال الثلاثة كانوا ينتظرون لقاءً رسمياً، وأنّهم أقاموا في فندقٍ بطرابلس، وأنّ الاتصالات معهم بقيت قائمة حتى نهاية الشهر.

هنا تحديداً تبدأ صعوبة إعادة التركيب: فكلّ ما يلي هذه النقطة يقوم على روايات متضاربة، بعضها رسميّ ليبيّ، وبعضها لبنانيّ، وبعضها إيطاليّ قضائيّ.

31 آب: آخر مرّةٍ شوهدوا فيها

المُثبَت الأقسى في القضية بسيط: أنّ موسى الصدر ورفيقيه شُوهدوا للمرة الأخيرة في الحادي والثلاثين من آب 1978، وهم على موعدٍ مع السلطات الليبية. بعد ذلك التاريخ، انقطعت أخبارهم انقطاعاً تاماً. لا شهود عيان موثوقين على ما جرى بعد ذلك اللقاء، ولا أثر مادّي مؤكّد، ولا كلمة.

منذ تلك اللحظة تحوّل الحادي والثلاثون من آب إلى تاريخٍ رمزيّ: لا يوم وفاةٍ لأنّ الوفاة لم تثبت، بل يوم «تغييب» تُحيا ذكراه كلّ عام.

رواية طرابلس ونفي روما

قدّمت السلطات الليبية آنذاك روايتها الرسمية: إنّ الصدر ورفيقيه غادروا مساء ذلك اليوم على متن رحلةٍ متّجهة إلى العاصمة الإيطالية روما. وبحسب هذه الرواية، فإنّ مسؤولية ما جرى تقع خارج الأراضي الليبية.

لكنّ إيطاليا نفت على الدوام أن يكون الإمام قد دخل أراضيها. وذهبت المحاكم الإيطالية لاحقاً إلى أبعد من ذلك، إذ خلصت إلى أنّ رواية السفر إلى روما ملفّقة، وأنّ لا دليل على وصول الصدر إلى المطار الإيطالي. بذلك انهار حجر الأساس في الرواية الليبية، من دون أن يظهر في المقابل ما يكشف المصير الحقيقي.

حين يبدأ اللغز

عند هذه العتبة تنتهي الوقائع الصلبة ويبدأ اللغز. ما بين لقاءٍ مفترضٍ مع مسؤولين في طرابلس، وروايةِ سفرٍ إلى روما دحضها القضاء الإيطالي، تضيع خيوط الحقيقة. لم يُعثر على رفات، ولم يصدر اعترافٌ قضائيّ كامل، ولم تُفتح خزائن النظام الليبي حتى بعد سقوطه عام 2011.

تفاصيل ما جرى بعد الحادي والثلاثين من آب انتقلت من ساحة الوقائع إلى ساحة القضاء والدبلوماسية، حيث ظلّت معلّقةً عقوداً. هذا ما نتتبّعه في الحلقة المخصّصة للملف القضائي: من اتهام القضاء اللبناني لنظام القذافي، إلى ظهور جوازات السفر في روما، وصولاً إلى فصل هانيبال القذافي الأحدث.