ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:
لم تكن «حركة المحرومين» حزباً وُلد في غرفةٍ مغلقة، بل حصيلة سنواتٍ من التنقّل في الأطراف المنسيّة. حين حطّ السيّد موسى الصدر الرحال في مدينة صور أواخر خمسينيات القرن الماضي، وجد أمامه واقعاً قاسياً: طائفةٌ شيعية، ومعها فقراء لبنان كافّة، خارج موازين الدولة. قرى بلا مدارس، وبلداتٌ بلا مستوصفات، وجنوبٌ يُقصف ولا يجد من يسأل عنه. من هذه الملاحظة البسيطة، لا من نظريةٍ مجرّدة، انطلق مشروعه.
من عالِم دينٍ إلى زعيمٍ اجتماعيّ
لم يكتفِ الصدر بالمنبر والوعظ. راح يتنقّل بين قرى جبل عامل وبعلبك والهرمل، مؤسّساً الجمعيات ودور الأيتام والمدارس المهنية، وناسجاً علاقاتٍ مع رجال الدين والسياسة من مختلف الطوائف. أطلق مؤسّساتٍ اجتماعية لتدريب الفتيات وتشغيل الشبّان، وجعل من العمل الخيري المنظَّم بديلاً عن الاتّكال على دولةٍ غائبة. في سنواتٍ قليلة، تحوّل من عالم دينٍ وافدٍ من إيران، تعود جذور أسرته إلى جبل عامل، إلى زعيمٍ اجتماعيّ يصعب تجاهله.
الفكرة المركزية التي حملها تُختصر في كلمةٍ واحدة: الحرمان. رأى الصدر أنّ بؤس الأطراف ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجة خللٍ بنيويّ في دولةٍ تخدم المركز وتترك الهوامش تنزف. ومن هنا وُلد خطابه: ليست المسألة صدقةً تُوزَّع، بل حقوقٌ تُنتزَع، وكرامةٌ تُستعاد.
1969: إطارٌ رسميّ للطائفة
تُوّج هذا المسار عام 1969 بتأسيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، أول إطارٍ رسميّ يمنح الطائفة تمثيلاً مستقلاً عن الزعامات التقليدية، وتولّى الصدر رئاسته. لم يكن المجلس في نظره أداة انكفاءٍ طائفيّ، بل منبراً للمطالبة: تنمية الجنوب والبقاع، وحماية القرى الحدودية من الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، وإنصاف مناطقَ عاشت عقوداً على هامش الموازنات.
كان الرجل يدرك أنّ التمثيل من دون ضغطٍ شعبيّ يبقى حبراً على ورق. لذلك لم يتوقّف نشاطه عند المؤسّسات، بل اتّجه إلى الشارع، حيث الجمهور الذي لا صوت له.
1974: بعلبك وصور، حين تكلّم الحشد
جاءت المحطة الأبرز عام 1974. ففي آذار من ذلك العام دعا الصدر إلى مهرجانٍ حاشد في بعلبك، حضره وفق الروايات التاريخية نحو مئة ألف شخص. وتلاه في أيار مهرجانٌ أضخم في صور تجاوز حضوره، بحسب المصادر نفسها، مئةً وخمسين ألفاً. لم تكن هذه الحشود استعراضاً، بل إعلاناً بأنّ المهمَّشين صاروا قوّةً لها حضور.
من رحم هذا الزخم وُلدت «حركة المحرومين» بصيغتها المعلنة: حركةٌ مطلبية ترفع لواء العدالة الاجتماعية لكلّ محرومٍ في لبنان، لا لطائفةٍ بعينها في خطابها الظاهر. رافق ذلك ما عُرف بـ«وثيقة المثقفين»، التي أيّدها أكثر من مئةٍ وتسعين شخصية من قادة الرأي والفكر من مختلف الطوائف، في دلالةٍ على أنّ دعوة الصدر تجاوزت حدود جمهوره المباشر.
1975: من الحركة إلى أفواج المقاومة
مع انزلاق لبنان إلى الحرب الأهلية عام 1975، أُنشئ الجناح الذي عُرف لاحقاً باسم «أفواج المقاومة اللبنانية»، أو «أمل». وُلدت الحركة إذاً قبل تغييب مؤسّسها بثلاث سنوات، وستتحوّل بعده إلى واحدةٍ من أبرز القوى في الساحة الشيعية واللبنانية.
لكنّ ما يعنينا في سيرة الصدر ليس مسار الحركة بعده، ولا ما آلت إليه من مواقعَ ومنازعات، بل الفكرة التي زرعها في أساسها: أنّ للمحروم كرامةً وحقوقاً، وأنّ الصمت ليس قدراً مفروضاً. هذه الفكرة، أياً كان الموقف من التنظيمات التي تفرّعت لاحقاً، دخلت لغة الاجتماع اللبنانيّ ولم تخرج منها.
فكرةٌ أبعد من تنظيم
بعد نصف قرنٍ تقريباً، حين يتحدّث أهل الجنوب اليوم عن أرضٍ تُقصف وقرى تُهجَّر وناسٍ يُنسَون في نشرات الأخبار، فإنّهم يستعيدون، من حيث يدرون أو لا يدرون، ذلك الخطاب الذي رفض قبل عقودٍ أن يكون الطرف مجرّد رقم. لم يكن مشروع الصدر تنظيماً بقدر ما كان لغةً جديدة في التعامل مع المهمَّشين: لغة الحقّ لا الشفقة، والكرامة لا الإحسان.
وتبقى مفارقة القصّة أنّ الرجل الذي أعطى المنسيّين صوتاً، غُيِّب هو نفسه في ظرفٍ غامض بعد سنواتٍ قليلة، فصار غيابه امتداداً للسؤال الذي رفعه: من ينصف من لا صوت له؟





