ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:

تُقاس المشاريع الكبرى بما تتركه بعد أصحابها. غاب موسى الصدر جسداً منذ آب 1978، لكنّ الأفكار التي حملها ظلّت تتردّد في الاجتماع اللبناني: الجنوب الذي رفع صوته، والحوار الذي دعا إليه بين الأديان، والكرامة التي جعلها عنواناً للمحرومين. في هذه الحلقة نقرأ ما بقي من أثر الرجل بعيداً عن لغز اختفائه.

صوت الجنوب المنسيّ

قبل الصدر، كان جنوب لبنان هامشاً في الوعي الوطني: منطقةٌ فقيرة، مهمّشة إنمائياً، مكشوفةٌ أمام الاعتداءات، غائبةٌ عن موازين القرار. جعل الصدر من هذا الهامش قضيةً مركزية. تحدّث باسم أهله، طالب الدولة بواجباتها تجاههم، وربط بين الحرمان الاجتماعي والخطر الأمني على أرضٍ حدودية.

هذا الانتباه المبكر إلى الجنوب لم يكن شعاراً عابراً. رسّخ في الوعي الجماعي فكرة أنّ للجنوب صوتاً ومطالب، وأنّ إهماله ليس قدَراً بل خيار سياسة. ومن هذا المنطلق وُلدت لاحقاً حساسيةٌ وطنية تجاه الجنوب وناسه، ما زالت حاضرةً كلّما اشتدّ الخطر على تلك الأرض.

الحوار بين الأديان في زمن الحرب

في بلدٍ تتقاسمه الطوائف، وفي لحظة انزلاقٍ نحو حربٍ أهلية، اختار الصدر أن يكون رجل حوارٍ لا رجل تخندق. اشتهر بعلاقاته الممتدّة عبر الطوائف، وبمواقفه الرافضة لتحويل التنوّع اللبناني إلى خطوط تماس. زار الكنائس، خاطب المسيحيين واللبنانيين على اختلافهم، ودافع عن فكرة العيش المشترك بوصفها شرطاً لبقاء لبنان.

لم يكن هذا الخيار مجّانياً في زمنٍ كانت فيه الغلبة للسلاح والتقسيم. جعل الصدر من الحوار موقفاً مبدئياً، ومن رفض الحرب الأهلية قناعةً أعلنها مراراً. وبقيت هذه الصورة، صورة رجل الدين الذي يمدّ جسراً بدل أن يحفر خندقاً، جزءاً أصيلاً من إرثه.

المحرومون: كرامةٌ قبل الهوية

جوهر مشروع الصدر لم يكن طائفياً بل اجتماعياً. تحت عنوان «المحرومين»، وضع كرامة الإنسان الفقير والمهمّش فوق انتماءاته الضيّقة. لم يكن المحروم عنده شيعياً فحسب، بل كلّ منسيٍّ في هامش الوطن، أياً كانت طائفته.

هذا التأطير جعل من الحرمان قضيةً وطنية عابرة للطوائف، لا شكوى فئةٍ بعينها. وهو ما منح خطابه بُعداً أوسع من حدود جماعته: دعوةٌ إلى دولةٍ عادلة تنصف المحرومين جميعاً، لا إلى غلبة طرفٍ على آخر.

ماذا بقي بعد ثمانية وأربعين عاماً؟

بعد نحو نصف قرن على التغييب، ما زال أثر الصدر حاضراً بطرقٍ متعدّدة. حركة أمل التي أسّسها باتت قوةً سياسية راسخة، وصوت الجنوب الذي رفعه لم يعد قابلاً للتجاهل، وصورته بوصفه رجل حوارٍ تُستعاد كلّما اشتدّ الانقسام.

لكنّ الإرث الأعمق ربّما يكمن في السؤال الذي طرحه ولم يُغلق: كيف تُنصف دولةٌ محروميها؟ يبقى هذا السؤال معلّقاً، كما يبقى مصير صاحبه، شاهداً على مشروعٍ لم يكتمل. وفي المشهد السياسي اليوم، تعود قضية الإمام إلى الواجهة مع أسئلةٍ عن مستقبل أمل، وهو ما نتناوله في حلقة «ما بعد بري».