ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:
حين تعجز السياسة عن الإجابة، يُحال السؤال إلى القضاء. هذا ما جرى في قضية موسى الصدر: مع انسداد المسار الدبلوماسي، تحوّل البحث عن الحقيقة إلى ملفّات ومحاضر ومذكّرات توقيف، امتدّت على ثلاث دول ونحو نصف قرن، من دون أن تُنتج حكماً نهائياً يكشف المصير.
القضاء اللبناني يتّهم نظام القذافي
على المستوى اللبناني، لم تُغلق القضية يوماً. أصدر القضاء اللبناني مذكّرة توقيف بحقّ الزعيم الليبي معمّر القذافي، محمّلاً نظامه مسؤولية اختفاء الإمام ورفيقيه. ظلّت هذه المذكّرة قائمةً رمزياً طوال سنوات حكم القذافي، من دون أن تجد طريقاً إلى التنفيذ ما دام النظام قائماً ومحصّناً.
بقيت العلاقات اللبنانية الليبية مسمومةً بهذا الملف. كان اسم الصدر حاضراً في كلّ محطّة، عقبةً أمام أيّ تطبيع كامل بين البلدين، وعنواناً لمطلبٍ لبنانيّ ثابت: معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
رواية روما التي دحضها القضاء الإيطالي
الحلقة الإيطالية في الملف حاسمة. استندت الرواية الليبية الرسمية إلى أنّ الصدر ورفيقيه غادرا إلى روما، حيث تنتهي مسؤولية طرابلس. لكنّ إيطاليا نفت دخول الإمام أراضيها، وذهب القضاء الإيطالي إلى تفكيك هذه الرواية من أساسها.
ظهرت في المحاكمات مسألة جوازات السفر التي قيل إنّها استُخدمت لإثبات وصول الوفد إلى روما. خلص القضاء الإيطالي إلى أنّ رواية السفر ملفّقة، وأنّ لا دليل يثبت أنّ الصدر حطّ في المطار الإيطالي. بذلك سقط حجر الأساس في الدفاع الليبي، وتعزّز الاعتقاد بأنّ الرجال الثلاثة لم يغادروا الأراضي الليبية أصلاً.
2011: سقوط النظام وآمالٌ مؤجّلة
راهن كثيرون على أنّ سقوط نظام القذافي عام 2011 سيفتح الخزائن ويكشف الأسرار. مع انهيار الدولة الليبية ومقتل القذافي، ساد أملٌ بأنّ الوثائق والشهود سيكشفون أخيراً ما جرى في آب 1978.
لكنّ الفوضى التي أعقبت سقوط النظام بدّدت هذا الأمل. غرقت ليبيا في صراعٍ داخليّ وانقسام مؤسّسي، وتبعثرت الأرشيفات، وغاب أيّ سلطةٍ قادرة أو راغبة في فتح الملف. بقيت الحقيقة أسيرةً في بلدٍ منهار، بعيدةً عن المنال كما كانت أيام القذافي.
هانيبال القذافي: طفلٌ عام 1978 ورهينة الملف
في كانون الأول 2015، دخل الملف منعطفاً غير متوقّع مع توقيف هانيبال القذافي، نجل العقيد الليبي، في لبنان. المفارقة أنّ هانيبال كان طفلاً لا يتجاوز الثانية أو الثالثة حين اختفى الصدر عام 1978، أي أنّه لا يملك أيّ علاقة مباشرة بالواقعة.
جرى توقيفه على خلفية «كتم معلومات» عن مصير الإمام، بافتراض أنّ عائلة القذافي قد تحوز ما لا يُعرف. ومنذ ذلك التاريخ، بقي هانيبال محتجزاً في لبنان سنوات طويلة من دون محاكمة فعلية تُفضي إلى حكم. وصف محامون هذا الاحتجاز بأنّه ذو طابع سياسيّ أكثر منه قضائياً، ورقة ضغطٍ في ملفّ أكبر منه.
احتجازٌ بلا حكم ثم إفراجٌ بكفالة
بقي وضع هانيبال القذافي معلّقاً سنوات، بين مطالبات بالإفراج ودعوات إلى إبقائه ريثما يُكشف مصير الصدر. في خريف 2025، تصاعدت التقارير عن تدهور حالته الصحّية داخل محبسه، ما أعاد الملف إلى الواجهة.
في العاشر من تشرين الثاني 2025، أُفرج عن هانيبال القذافي بكفالة، بعد نحو عشر سنوات من الاحتجاز من دون حكم نهائي. لم يُقدّم هذا الفصل أيّ جوابٍ عن السؤال الأصل، بل أكّد مأزق القضية: ملفٌّ مفتوح بلا خاتمة، ورهائن رمزيّون لا يملكون المفتاح، وحقيقةٌ ما زالت غائبة كغياب صاحبها.
عاد أثر الصدر بعد ذلك إلى ساحته الأولى: الإرث والأثر في الجنوب وفي الاجتماع اللبناني، وهو ما نتناوله في حلقة الإرث.





