لم يكن السبت التاسع والعشرين من آب يوماً عادياً في جنوب لبنان. منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المساء، تتالت الخروقات الإسرائيلية على وقعٍ واحد: توغّلٌ برّي، وعلمٌ يُرفع على منزل، وغاراتٌ ومدفعية على عشرات البلدات، ونيرانٌ تلتهم الأحراج بينما يعجز رجال الإطفاء عن بلوغها. مشهدٌ ميداني يتّسع في اللحظة نفسها التي تراوح فيها طاولة التفاوض في رومة مكانها، فيتأكّد مرّة أخرى أنّ الثمن الأول لهذا العدوان تدفعه أرض الجنوب وناسه، لا الملفات الدبلوماسية.
توغّلٌ ورفعُ علمٍ في كفرشوبا
عند الصباح، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأنّ قوات الاحتلال توغّلت في الحي الشرقي لبلدة كفرشوبا ورفعت علماً إسرائيلياً على مبنى سكني في حي الرويسة، في خرقٍ جديد لوقف إطلاق النار. وبالتزامن، نفّذت القوات الإسرائيلية عملية تمشيطٍ بالأسلحة الرشاشة في الحي الغربي لبلدة حداثا في قضاء بنت جبيل، ترافقت مع تحرّكٍ لآلياتٍ عسكرية على الحدود.
هذه المشاهد لم تعد استثناءً في قرى الشريط الحدودي: توغّلٌ محدود، ورمزيةُ علمٍ على سطح منزلٍ خالٍ من أهله، ورسالةُ إذلالٍ لسكانٍ يُمنعون من العودة إلى بيوتهم أو أرضهم.
نارٌ على عشرات البلدات
لم يقتصر التصعيد على الحدود. فمنذ الفجر، شنّ الطيران الحربي سلسلة غاراتٍ استهدفت بلدتَي المنصوري ودير سريان، رافقها قصفٌ مدفعي على أطراف منطقة علي الطاهر ووادي السلوقي وعددٍ من البلدات المجاورة، وسط استمرار عمليات التمشيط الجوي، وفق ما نقله مراسلون ميدانيون.
وفي ساعات بعد الظهر، تجدّد القصف: مسيّراتٌ استهدفت النبطية الفوقا، ونارٌ طاولت المنصوري ووادي زوطر ومحيط قعقعية الجسر، فيما تعرّضت بلدة حاريص لقصفٍ مدفعي. وكانت غاراتٌ إسرائيلية قد استهدفت مساء الخميس بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل، في استمرارٍ لمنحى التصعيد الذي لم يهدأ طوال الأسبوع.
حرائقُ تلتهم أحراج جبل عامل
أخطر ما حمله السبت لم يكن القذائف وحدها، بل ما خلّفته: اندلعت حرائق في الأحراج الممتدة بين عيتا الجبل وحداثا نتيجة القصف، وواجه رجال الإطفاء صعوبةً بالغة في الوصول إلى بؤر النار بسبب استمرار الاستهداف وطبيعة المنطقة، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام.
هنا يظهر بُعدٌ آخر للعدوان: الأرض نفسها تُستهدف. أحراجٌ وأشجارٌ ومواسمُ زيتونٍ على أبواب قطافها، وغطاءٌ حرجي هو رئة الجنوب ومصدرُ رزقٍ لأهله، كلّها تحترق. حين تُحرق الأرض، لا يُقاس الضرر بعدد القذائف فحسب، بل بما يفقده الناس من عيشٍ وذاكرةٍ ومكان.
اليونيفيل توثّق: نارٌ يومية
ما يجري ليس انطباعاً بل رقمٌ موثّق. فقد أفادت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بتسجيل نحو 1030 مقذوفاً أطلقتها القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية بين 21 و27 آب، أي بمعدّل 147 مقذوفاً يومياً. ويأتي ذلك بعد بياناتٍ سابقة للقوة الدولية تحدّثت عن معدّلٍ بلغ 137 مقذوفاً يومياً بين 5 و16 آب، مع ذروةٍ سُجّلت عند 208 مقذوفات في أحد أيام السبت.
وتكرّر اليونيفيل في كل مرة العبارة نفسها: إنّ الوضع "لا يزال هشّاً"، رغم مرور نحو شهرين على تفاهم وقف إطلاق النار. عبارةٌ دبلوماسية توارِبُ حقيقةً صريحة على الأرض: النار مستمرة، والمدنيون يدفعون.
طاولةٌ تتعثّر ونارٌ لا تهدأ
كل هذا يجري فيما تراوح مساراتُ التفاوض مكانها. فالجولة الثامنة في رومة حول تطبيق "اتفاق الإطار" عُلّق تحديد موعدها بانتظار ما وصفه مصدرٌ لصحيفة "الشرق الأوسط" بـ"خرقٍ دبلوماسي حقيقي"، معتبراً أنّ "العائق الوحيد" هو عدم تجاوب إسرائيل. وفي المقابل، يشدّد الرئيس جوزاف عون على أنّ استعادة حقوق لبنان في الجنوب وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة "لا يكون بالحرب، فلا خيار بالتالي إلا التفاوض"، فيما جدّد بيانٌ سعودي-فرنسي صدر من باريس دعمه لسيادة لبنان والانسحاب الإسرائيلي الكامل.
لكن بين طاولة رومة ونار الميدان تباينٌ صارخ: كلما ارتفع منسوب الكلام عن التسوية، اتّسعت رقعة القصف والتوغّل. وكأنّ الرسالة الإسرائيلية أنّ التفاوض يجري تحت النار، لا بديلاً منها.
وفي خلفية هذا كله وجوهٌ لا أرقام. قبل أيام فقط، استُشهدت العروس سجى شرارة في غارةٍ على عربصاليم بعد يومين على زفافها. هذا هو الوجه الحقيقي للسبت الجنوبي: أرضٌ تحترق، وبيوتٌ تُقتحَم، وناسٌ يُطلب منهم الانتظار على طاولةٍ لم تنعقد بعد. الجنوب، لا الملفات، هو من يدفع أولاً.





