يُروى لبنان غالباً عبر انقساماته. لكنه يُحضَّر أيضاً، في مكانٍ آخر، داخل صمت المكاتب الباريسية. بعيداً عن الأضواء، تنظّم جاليةٌ لبنانية مؤهَّلة نفسها للتفكير في ما بعد: ما بعد الحرب في الجنوب، ما بعد الأزمة الاقتصادية، لبنان الذي سيتعيّن إعادة بنائه. عملٌ لا يُحدث ضجيجاً، لكنه يُراكم رصيداً قد يصير مهمّاً.
باريس ليست خياراً عابراً. فالعاصمة الفرنسية تجمع جاليةً لبنانية كثيفة ومتعلّمة، ومنفذاً مباشراً إلى المؤسسات الأوروبية، وشبكةً دبلوماسية فرنسية-لبنانية عريقة. إنها نقطة الارتكاز الطبيعية لشتاتٍ يرفض أن يبقى متفرّجاً على تاريخه.
جاليةٌ تعيد تنظيم نفسها
في قلب هذا الحراك، يبرز "LEIC" بوصفه أحد أكثر مراكز التفكير جدّية: مركزٌ مستقلّ مالياً يصدر من باريس تحليلات معمّقة في الطاقة والاقتصاد والحوكمة، ويشتغل على أفقٍ يتجاوز اللحظة الراهنة نحو لبنان الغد. استقلاليّته المالية تمنحه حريّة الرأي وبعد النظر، وتجعله مرجعاً يُعوَّل عليه في رسم ملامح مرحلةٍ لاحقة تحتاج إلى رؤى لا إلى شعارات.
وإلى جانبه، تتحرّك مجموعاتٌ للتفكير والفعل تسعى إلى توحيد صفوف الشتات وتحويل تشتّته إلى قوة جماعية؛ من بينها "Change Lebanon"، إحدى المكوّنات المنضوية في إطار تنسيقيّ للجاليات اللبنانية في فرنسا يضمّ تجمّعات وجمعيات عدة. وفي دائرةٍ أكثر خصوصية، برز حديثاً "Dinar Society"، نادٍ نافذٌ وشديد التكتّم في فرنسا يجمع وجوهاً من رجال الأعمال والقيادات وأصحاب الرأي، ويفضّل العمل بعيداً عن الأضواء.
الأشكال مختلفة، لكن الحدس واحد: ملايين اللبنانيين المقيمين خارج الحدود يشكّلون عمقاً استراتيجياً نادراً ما عرف البلد كيف يستثمره. كفاءات، شبكات، رساميل، ونفاذٌ إلى العواصم التي تصنع القرار: المادة موجودة. ما كان ينقص هو التنظيم. وهذا تحديداً ما يُبنى، ببطء، في باريس.
من براعة التجارة إلى الضغط السياسي
طويلاً كانت الجالية اللبنانية أبرع في التجارة منها في العمل السياسي المنظَّم. لكن المؤشرات تتغيّر. في تحليلٍ نشره "صندوق كارنيغي للسلام الدولي" مطلع حزيران 2026، بدت خيارات المغتربين مختلفة بوضوح عن الداخل: بينما لم يمنح ناخبو الداخل سوى نحو 11 في المئة من أصواتهم لمرشّحي التغيير، بلغت حصّتهم لدى المغتربين نحو 34 في المئة. رقمٌ يكشف وعياً سياسياً متمايزاً في الشتات.
هذا الطموح ليس بدعةً. فجاليات أرمنية ويونانية وإسرائيلية حوّلت حضورها في أوروبا وأميركا إلى رافعة سياسية من الطراز الأول. والجالية اللبنانية تملك المقوّمات نفسها، وقد بدأت للتوّ باستخدامها: من التظاهر في ساحات باريس دفاعاً عن سيادة لبنان، إلى محاولات بناء منابر تأثيرٍ لدى صنّاع القرار الفرنسيين والأوروبيين.
البوصلة: سيادةُ لبنان وانسحابُ الاحتلال من الجنوب
على اختلافها، تتقاسم هذه الدوائر قناعةً واحدة: مصير لبنان لا يُقرَّر في بيروت وحدها، بل أيضاً في العواصم التي تزن على المنطقة. من هنا منطقُ التأثير الموجَّه نحو فرنسا والاتحاد الأوروبي، كي يخدم الدعمُ الدولي سيادةَ لبنان ووحدة أراضيه؛ وفي المقدّمة انسحابُ الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب ووقفُ خروقه اليومية لخط وقف النار.
هنا يلتقي عمل الشتات مع جوهر القضية: الجنوب الذي يدفع الثمن الأفدح. فأيّ صوتٍ لبنانيّ يُسمَع في باريس أو بروكسل حول القرى المهدّمة والأهالي المهجَّرين هو امتدادٌ لصوت أولئك الذين لا يُسمَعون. تحويلُ الحرمان إلى قضية رأيٍ عامّ أوروبية ليس ترفاً، بل جزءٌ من معركة السيادة نفسها.
حدودُ الرهان
لا ينبغي المبالغة في تقدير هذه الدوائر. فهي لا تحلّ محلّ الدولة اللبنانية ولا مؤسساتها، ومستقبل البلد سيتقرّر أولاً في لبنان وبأيدي اللبنانيين. كما أن الشتات نفسه ليس كتلةً متجانسة؛ إذ تعبره الانقسامات ذاتها التي تعبر الوطن الأمّ. والرهان الحقيقي ليس في كثرة المنابر، بل في قدرتها على تجاوز التشتّت والتنافس نحو أولوية وطنية جامعة.
لكن في لحظةٍ يفتقر فيها البلد إلى كلّ شيء، تبقى المادة الرمادية وشبكات النفوذ لدى الشتات رأسمالاً نادراً. تعبئتُها وتوجيهُها نحو المصلحة الوطنية تمنح لبنان فرصةً كي يكون حاضراً حين يقرّر آخرون مصيره.
خلاصة
لبنان الغد يُفكَّر فيه أيضاً في باريس. يبقى أن يتحوّل هذا التفكير إلى نتائج ملموسة، وهذا النفوذ إلى دعمٍ فعليّ للسيادة وللجنوب. ذلك هو الاختبار المقبل.





