في جنوب لبنان بيتٌ لم يبقَ منه إلا الركام، وأشجار زيتونٍ اقتُلعت من أرضٍ زُرعت منذ أجيال. صاحبها، وهو لبنانيّ يحمل الجنسية الفرنسية، لم يطرق باب قاضٍ في بيروت، بل في باريس. لا لأنه اختار البُعد، بل لأن بلده لم يترك له باباً يُطرَق. في هذه المسافة بين الجنوب وضفاف السين تكمن حكاية أوسع: ضحيةٌ لبنانية لا تجد عدالتها إلا في الخارج، وحين تبلغها، يُخشى أن يُسَدّ هذا الطريق أيضاً ببندٍ خبّأه اتفاق.
من الجنوب إلى نيابة باريس
يوم الثلاثاء، رفع محامو المواطن الفرنسي-اللبناني شكوى أمام النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا، على خلفية تدمير إسرائيل بيته وحقل زيتونه في الجنوب خلال الحرب مع حزب الله، وفق ما أوردت صحيفة ذا ناشيونال. لم يُكشف اسم الرجل، وهو مقيم في فرنسا، ويتولّى الدفاع عنه المحاميان ويليام بوردون ونيكولا بوزان من مكتب Bourdon & Associés.
جاء الإعلان على هامش مؤتمر في بيروت عن الفساد والمحاسبة، نظّمه حزب «لنا» الإصلاحي وحضرته النائبة حليمة قعقور. قال بوزان إنها قضية «مواطن فرنسي يطلب من قضاء بلاده أن يكشف الحقيقة كاملة، وأن يُنصفه من جرائم حرب ارتُكبت بحقه، في سياق جنوبيّ أوسع يبدو أنه يرقى إلى تطهير عرقي». التوصيف للمحامي، لا حكمٌ صدر عن محكمة.
لا هدف عسكري: «تدمير أو نهب»
نقطة بوزان القانونية بسيطة وحادّة: لا صلة لعائلة المشتكي بحزب الله. من هنا يرى أن ما جرى لممتلكاته يكشف «غياباً تامّاً لأي هدف عسكري»، ويصفه بأنه «فعل تدمير أو إتلاف، بل نهب» يرقى إلى جريمة حرب. والشكوى، بحسبه، تطلب كشف الحقيقة وتحديد الفاعلين وملاحقتهم.
ويذكّر المحامي بأن أكثر من ستة آلاف فرنسي يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ليخلص إلى أنه «من غير المقبول أن يرتكب رعايا فرنسيون جرائم حرب في جنوب لبنان». في المقابل، تقول إسرائيل إن عملياتها في الجنوب تستهدف بنى حزب الله العسكرية؛ لكنّ المحامَيْن يشدّدان على أن لا شيء من ذلك ينطبق على أرض موكّلهما وبيته.
ثالثة الشكاوى: مسارٌ يتراكم
ليست هذه الدعوى حادثة منفردة. إنها الثالثة على الأقل التي تُرفع في فرنسا هذا العام على جرائم إسرائيل المزعومة في لبنان. أولاها في نيسان، رفعها الفنان علي شرّي بعد مقتل والديه في غارة عشية هدنة تشرين الثاني 2024. وثانيتها في حزيران، من فرنسي-لبناني فقد عدداً من أهله في قصف مبنى سكني في صور، بعد استئناف القتال.
القاسم المشترك بينها واحد: القضاء الفرنسي مختصّ لأن أصحابها فرنسيون. أما في لبنان فالباب موصد؛ فالبلد ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، ولم يقبل حتى اليوم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، على رغم دعوات حقوقية لا تتوقف. لذلك يقصد أصحاب الجنسية المزدوجة قضاء بلدانهم الثانية، إذ لا مسار داخليّاً يُحاسِب على الجرائم الدولية.
بندٌ يقلق: المادة 13
ثمّة خطرٌ يلوح خلف هذا المسار. فالمادة 13 من اتفاق الإطار الموقّع في حزيران، والمُفترض أن يمهّد لوقف الأعمال العدائية، تُلزم الطرفين بـ«اتخاذ تدابير حسن نية... بما في ذلك وقف كل عمل عدائي أو معادٍ في المحافل السياسية أو القانونية الدولية». صياغةٌ فضفاضة، تفتح باب القلق من أن تُقيَّد قدرة لبنان نفسه على ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، كما نبّهنا في قراءتنا لمسار التفاوض.
غير أن بوزان يقرأ الدعاوى الخارجية رافعةً لا بديلاً: «ما يُرفع اليوم في فرنسا وفي غيرها من المحاكم قد يترك غداً أثراً في لبنان، حيث المطالبة بالمحاسبة قويةٌ هي الأخرى».
بوردون واللبناني: من المصارف إلى جرائم الحرب
اسم ويليام بوردون ليس طارئاً على الملف اللبناني. فالمحامي الحقوقي المعروف قاد في السنوات الأخيرة سلسلة ملاحقات في فرنسا تخصّ لبنان، ودافع عن ضحايا الانهيار المالي عام 2019. في 2021، رفعت منظمة «شيربا» التي أسّسها، إلى جانب «تجمّع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية في لبنان»، شكوى ضد حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، أفضت إلى تجميد أصول في أوروبا ومذكرة توقيف دولية، ووضع عشرة أفراد وكيانات قيد التحقيق، بينهم الفرع السويسري لمصرف «إتش إس بي سي». وسلامة، الموقوف في لبنان منذ تموز في قضايا فساد داخلية، ينفي أي مخالفة.
كما فُتحت تحقيقات فرنسية طاولت رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي وفروعاً فرنسية لمجموعتين مصرفيتين لبنانيتين، مع نفي الجهات المعنية. يختصر بوردون فلسفته بعبارة: «الفساد الكبير شكلٌ من أشكال الاعتداء على الإنسانية». وبين المصارف وجرائم الحرب خيطٌ واحد يجمع: حين يغيب الإنصاف في الداخل، يصير قضاء الخارج المتنفّس الوحيد.
الجنوب الذي يُحاسَب عنه بعيداً
يبقى في الحكاية ما هو أبعد من الإجراء القانوني. بيتٌ هُدم، وزيتونٌ اقتُلع أو أُحرق في أرضٍ توارثها أهلها، بينما تُطلَب العدالة على بُعد آلاف الكيلومترات. صاحب الأرض، كحال كثيرين من أهل الجنوب، يُتحدَّث باسمه كثيراً ويُسمَع قليلاً؛ حتى بات عليه أن يبلغ نيابةً في باريس ليقول إن بيته وشجره لم يكونا هدفاً عسكرياً، بل جزءاً من حياةٍ دُمّرت.
أن تُرفع شكواه اليوم انتصارٌ صغير على الإفلات من العقاب. لكن أن يُضطرّ جنوبيّ إلى استعارة قضاء دولةٍ أخرى كي يُنصَف، وأن يلوح في الأفق بندٌ قد يُسكِت حتى هذا الصوت الأخير، فتلك وحدها تقيس المسافة بين العدالة التي يستحقها أهل الجنوب، وتلك المتاحة لهم فعلاً.





