حين تُقصَف مدينة ليل نهار، لا يكفي أن يُرسَل إليها بيان. صباح السبت، قصد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون النبطية بنفسه، في زيارة مفاجئة لم تُعلَن مسبقاً، ليقف على أرضٍ أنهكها التصعيد الإسرائيلي المتواصل. لم تكن زيارة بروتوكولية، بل رسالة حضور: الدولة تأتي إلى الجنوب، لا لتعزّي فحسب، بل لتقول لأهله إنّها لن تتركهم وحدهم.
زيارة مفاجئة إلى مدينة تحت النار
وصل عون إلى السراي الحكومي في النبطية وسط تدابير أمنية مشددة، يرافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنية. جاءت الزيارة، وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية، تلبيةً لنداء أهالي النبطية وجوارها عقب موجة الغارات والتفجيرات التي طالت المدينة ومحيطها في الأيام الأخيرة.
ولا تزال جراح المنطقة مفتوحة. فقبل أيام ارتقى في مجزرة كفررمان اثنا عشر شهيداً بينهم رضيعان ومسعفان، فيما واصل الاحتلال ليل الجمعة قصف قرى الجنوب، من رومّان إلى وادي زبقين. في هذا السياق المثقل بالدم والنزوح، اختار رأس الدولة أن يكون حاضراً في قلب المدينة.
«لن نترككم»: حضور الدولة في وجه النزوح
كان الخطاب الأبرز موجّهاً إلى الناس، لا إلى الطاولات الدبلوماسية. قال عون مخاطباً الأهالي: «واجبنا أن نبقى إلى جانبكم ولن نترككم أبداً». وأوضح أن هدف الزيارة الوقوف على متطلبات المواطنين، وأن سبب حضوره مع قادة الأجهزة الأمنية وقائد الجيش هو القول لهم «إنّنا إلى جانبكم، ونبحث في تأمين الخدمات كافة لكم لبقائكم هنا وتوفير الأمان».
في هذه الجملة الأخيرة مفتاح الزيارة كلها. حين يصبح البقاء في الأرض نفسه فعل مقاومة أمام آلة تدفع نحو التهجير، يكتسب حضور الدولة معنى مضاعفاً: أن يبقى أهل الجنوب في بيوتهم، وألّا يتحوّل القصف إلى نزوح دائم يُفرِغ القرى من ناسها.
الموقف السياسي: لا مفاوضات جديدة الآن
إلى جانب الرسالة الإنسانية، حسم عون موقفاً سياسياً واضحاً: «لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي». وشدّد على أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة الإعمار، هي «ثوابت وطنية نتعهد بتنفيذها».
يأتي هذا الكلام فيما تبقى ملفات التفاوض معلّقة. فقد أكدت مصادر في الرئاسة أن لبنان لم يتبلّغ من الجانب الأميركي أي موعد لاستئناف المفاوضات في روما، في مقابل حديث إسرائيلي عن جلسة ثامنة مرتقبة. وكانت قراءتنا لمسار التفاوض قد أوضحت كيف تحوّل الجنوب إلى ورقة ضغط مرهونة بالحسابات الإسرائيلية الداخلية.
الجيش ينتشر والخدمات مطلب
لم تكن الزيارة معزولة عن حركة ميدانية للدولة. فقد بدأ الجيش اللبناني قبل يومين انتشاراً في أحياء النبطية ضمن خطة تعزيز حضوره في الجنوب، وهو ما جاءت زيارة عون بصحبة قائد الجيش لتؤكّده رمزياً وعملياً.
يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: هل يكفي حضور الدولة، بجيشها وخدماتها ووعودها، لتثبيت الناس في أرضهم ما دامت النار لم تتوقف؟ الجواب لن تكتبه الخطب، بل ما سيليها على الأرض من حماية فعلية وإعمار وعودة آمنة. تبقى «المهمّة» على متابعة هذا المسار بالوقائع والأرقام الرسمية، بعيداً عن التهويل أو التطمين المجاني.





