خلف عبارات الدبلوماسية المقتضبة التي رافقت الجولة السابعة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، تكمن عقدة واحدة تكاد تختصر مأزق الاتفاق كلّه: ليست الخلاف على مبدأ الانسحاب أو مبدأ نزع السلاح، بل على السؤال العملي الذي يسبقهما معاً. من يتحقّق أن منطقة بعينها في الجنوب خلت فعلاً من مقاتلي حزب الله وبنيته العسكرية، وبأي آلية، وقبل أن تخطو إسرائيل خطوة إلى الوراء؟
انعقدت الجولة برعاية أميركية في العاصمة الإيطالية، وخرجت منها قراءتان متباعدتان. مصدر لبناني قال لوكالة فرانس برس، طالباً عدم كشف اسمه، إن المحادثات "لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة في ما يخصّ المنطقتين التجريبيتين". في المقابل، وصفت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية المحادثات بأنها كانت "مثمرة". هذا التباين في التوصيف ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل انعكاس لفجوة حقيقية في تقدير ما تحقّق فعلاً على الطاولة.
العقدة: من يتحقّق ومتى
يقوم الاتفاق الإطاري الذي جرى التوصّل إليه في حزيران على معادلة متدرّجة: نزع سلاح حزب الله، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق احتلّتها في الجنوب، وانتشار للجيش اللبناني في المناطق التي تُخليها، على أن تبدأ العملية من منطقتين تجريبيتين. المعادلة تبدو واضحة على الورق، لكنها تتوقّف عند سؤال التسلسل والإثبات: ما الذي يأتي أولاً، ومن يشهد أن الشرط تحقّق؟
بحسب ما نقلته تقارير إسرائيلية، ترفض إسرائيل إجراء انسحابات إضافية من جنوب لبنان في ظل الخلاف على آلية التفتيش التي تثبت أن منطقة ما جرى إخلاؤها من عناصر حزب الله وبنيته التحتية. بكلام آخر، تريد تل أبيب ضماناً موثّقاً قبل كل خطوة، فيما يريد لبنان جدولاً للانسحاب لا يبقى رهينة تقدير الطرف الإسرائيلي وحده.
هنا يبرز اقتراح بيروت: إشراك طرف ثالث يتولّى التحقّق من عمليات نزع السلاح، بما يخرج عملية الإثبات من يد أحد المتخاصمين. لكن، وفق ما نُقل عن مصدر لبناني، لم تقابل إسرائيل هذا الطرح بتنازلات إضافية في ملف الانسحاب. تبقى الآلية إذاً معلّقة بين طرف يشترط التحقّق قبل الانسحاب، وطرف يخشى أن يتحوّل التحقّق ذريعة لتجميد الانسحاب.
المناطق التجريبية معلّقة
فكرة المنطقتين التجريبيتين صُمّمت لتكون اختباراً محدوداً منخفض الكلفة: تُطبَّق فيهما المعادلة أولاً، فإن نجحت جرى تعميمها. غير أن غياب اتفاق على آلية التحقّق يفرّغ هذه الفكرة من مضمونها، إذ يصعب إطلاق أي منطقة تجريبية من دون تعريف متفَّق عليه لما يعنيه "خلوّها" من السلاح ومن يقرّر ذلك. ولهذا جاء الحديث اللبناني عن غياب النتائج الحاسمة بشأن هاتين المنطقتين تحديداً، لا عن انهيار المسار برمّته.
تصعيد ميداني يظلّل التفاوض
لا تجري المحادثات في فراغ. فقد شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً في منسوب التوتر الميداني، من مقتل جنديين إسرائيليين بعبوة في بلدة مجدل زون، إلى سلسلة غارات إسرائيلية على مواقع في جنوب لبنان قالت تل أبيب إنها تستهدف بنى تابعة للحزب. هذا التصعيد يضيّق هامش الثقة المطلوب لأي آلية تحقّق، إذ يصعب الاتفاق على مفتّشين ومعايير في لحظة يتبادل فيها الطرفان الاتهامات بخرق التهدئة.
وقد أعلنت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي العثور على ما وصفته بآلاف البنى التحتية العسكرية التابعة للحزب في قرى جنوبية، في خطاب يعزّز الموقف الإسرائيلي القائل إن الانسحاب من دون تحقّق صارم يعيد إنتاج الخطر نفسه. في المقابل، يتمسّك لبنان بانسحاب إسرائيلي من البلدات الجنوبية تمهيداً لعودة الأهالي وانتشار الجيش، ويطالب بتثبيت الحدود ووقف الخروقات.
مواقف متباعدة
على الضفة الأبعد من الطاولة، يرفض حزب الله الاتفاق في صيغته الحالية، معتبراً أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه يتجاوز "كل الخطوط الحمراء". هذا الموقف يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة مزدوجة: التفاوض مع إسرائيل على آلية، والتفاوض ضمنياً مع طرف داخلي لا يقرّ أصلاً بمبدأ التسليم. وليس مصادفة أن يُطرح الدور الإقليمي في الصورة، إذ نقلت تقارير أن وزير الخارجية الإيطالي أبلغ نظيره الإيراني أن دور طهران "حاسم" في وقف العمليات العسكرية للحزب.
ماذا بعد
ما دام سؤال "من يتحقّق" بلا جواب، ستبقى المنطقتان التجريبيتان حبراً على ورق، وسيبقى كل تقدّم رهن آلية لم تولد بعد. الرهان اللبناني على طرف ثالث محايد يبدو المخرج الأكثر منطقية لكسر الحلقة، لكنه يحتاج إلى قبول إسرائيلي لم يتبلور، وإلى تهدئة ميدانية توفّر الحدّ الأدنى من الثقة. بين توصيف واشنطن "المثمر" وتوصيف بيروت "غير الحاسم"، تبقى العبرة أن التفاصيل التقنية، لا الشعارات الكبرى، هي التي تقرّر مصير هذا المسار.




