استفاق جنوب لبنان صباح السبت على ليلةٍ من التصعيد الإسرائيلي حملت مؤشراً جديداً على هشاشة وقف إطلاق النار: قوة إسرائيلية تتقدّم نحو نقطة للجيش اللبناني عند أطراف دير ميماس وتطالبه بإخلائها، فيما اشتعلت النيران في مستشفى ميس الجبل الحكومي. مشهدٌ يضع سيادة الدولة على أرضها الجنوبية في قلب الاختبار، بينما تتقدّم الآليات الإسرائيلية وتُتابع عمليات الهدم في القرى الحدودية.
مواجهة عند دير ميماس
أعلن الجيش اللبناني، مساء الجمعة، أن قوة إسرائيلية اقتربت من نقطة مراقبة مستحدثة أقامها عند أطراف بلدة دير ميماس في قضاء مرجعيون، وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما أدى إلى حالة استنفار بين الجانبين. ووفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية وعربية عن بيان الجيش، طالبت القوة الإسرائيلية عناصر الجيش اللبناني بإخلاء الموقع، فيما بقيت الوحدات منتشرة في المنطقة.
وذكرت تقارير ميدانية أن القوة الإسرائيلية فتّشت عدداً من المنازل وألقت عدة قنابل صوتية عند المدخل الداخلي للبلدة، قبل أن تنسحب لاحقاً إلى مواقعها في محيط تل النحاس، في وقتٍ استمرت فيه الاتصالات لمعالجة الإشكال ميدانياً. وبقي الجيش اللبناني منتشراً عند الطريق العام في بلدة برج الملوك المجاورة.
الحادثة، وإن انتهت بانسحاب القوة المعتدية، ليست تفصيلاً عابراً: هي محاولة مكشوفة لفرض معادلة ميدانية جديدة تمنع الجيش اللبناني من تثبيت نقاطه في منطقةٍ يفترض أنها ضمن سيادته الكاملة جنوب الليطاني.
إحراق مستشفى ميس الجبل
في تطورٍ موازٍ، أفادت مصادر رسمية بأن القوات الإسرائيلية أضرمت النار في مستشفى ميس الجبل الحكومي خلال الليل. وأدانت وزارة الصحة العامة اللبنانية الاعتداء على المرفق الصحي، الذي يُعدّ مرجعاً أساسياً لأهالي القطاع الأوسط من الحدود.
استهداف المستشفيات والمرافق الصحية في الجنوب ليس جديداً؛ فمنذ اندلاع الحرب، خرجت مستشفيات ومراكز رعاية صحية عدة عن الخدمة في القرى الحدودية، ما يترك عشرات آلاف الأهالي بلا مظلّة طبية قريبة ويعمّق مأساة منطقةٍ دفعت الثمن الأكبر.
الخيام والمنصورة: ليلٌ من الآليات والتفجيرات
ولم يقتصر التصعيد على دير ميماس وميس الجبل. فقد نقل التلفزيون العربي أن قوات الاحتلال نفّذت عملية هدم واسعة في بلدة الخيام فجر السبت، بالتزامن مع تفجيرٍ عنيف على عدة مراحل في محيط بلدة المنصوري جنوب صور. عمليات الهدم الممنهجة في القرى الأمامية باتت نمطاً شبه يومي منذ سريان وقف إطلاق النار، تُفرَّغ من خلاله البيوت من ساكنيها وتُمحى معالم البلدات الحدودية.
الجيش أمام سياسة الأمر الواقع
منذ وقف إطلاق النار أواخر عام 2024، يحاول الجيش اللبناني تثبيت انتشاره تدريجياً جنوب الليطاني، لكنه يصطدم بواقعٍ فرضته إسرائيل التي تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية وتواصل غاراتها وتوغّلاتها شبه اليومية. حادثة دير ميماس تكشف عمق المأزق: مؤسسة عسكرية مكلّفة بسط سيادة الدولة، توضع وجهاً لوجه أمام قوةٍ تطالبها بالتراجع على أرضها.
يأتي هذا فيما تتّجه الأنظار إلى مصير قوة اليونيفيل التي ينتهي تفويضها نهاية عام 2026، وإلى المساعي الدولية، آخرها اجتماع باريس، لدعم الجيش اللبناني ونشره جنوباً. لكن ما يجري على الأرض يطرح السؤال الأصعب: أي سيادة تُبنى تحت النار، وأي دعمٍ يكفي حين تبقى القرى الحدودية ساحةً مفتوحة للهدم والاعتداء؟
في الجنوب، لا تُقاس هذه الليالي بالبيانات، بل بأهلٍ يستيقظون على دويّ التفجيرات ورائحة الحريق، ويسألون متى تصل الدولة، كاملةً، إلى حيث يقفون.




