بعد عامين على اشتعال جبهة الجنوب، لم يعد السؤال في القرى الحدودية عن موعد انتهاء الحرب، بل عمّا تبقّى بعدها. الهدنة قائمةٌ على الورق منذ أواخر 2024، لكنّ النار لم تنطفئ، والبيوت لم تُبنَ، ومعظم من نزح لم يعد. في الذكرى الثانية، يبدو جنوب لبنان كمن خرج من المعركة ليقع في حربٍ أخرى: حرب الركام والانتظار.
فجر الأربعاء وحده، أفادت وسائل إعلام لبنانية بغاراتٍ إسرائيلية على وادي السلوقي في قضاء بنت جبيل، وبقصفٍ متقطّع طال بلدات في النبطية ومرجعيون. مشهدٌ صار يومياً إلى حدّ أنه لم يعد خبراً. وهنا بالضبط تكمن مأساة الجنوب بعد عامين: لم تعد نارُه حدثاً، بل خلفية ثابتة لحياةٍ تحاول أن تستمر.
من جبهة الإسناد إلى هدنةٍ هشّة
بدأ كل شيء في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين فتح حزب الله «جبهة إسناد» لغزة من جنوب لبنان. عامٌ من القصف المتبادل المحدود انقلب فجأةً في أيلول 2024 إلى حربٍ مفتوحة: موجة تفجير أجهزة النداء، ثم حملة اغتيالات واسعة طالت قيادات الحزب، بينهم أمينه العام حسن نصر الله في أيلول 2024، وفق ما أعلنته إسرائيل وأكّده الحزب لاحقاً، تلاها اجتياحٌ برّي لبلدات القطاع الحدودي.
توقفت الحرب الكبرى في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حين دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ برعايةٍ أميركية-فرنسية. لكنّ ما سُمّي «وقفاً» لم يكن سلاماً: بقيت إسرائيل في نقاطٍ خمس داخل الأراضي اللبنانية، وواصلت غاراتها وتفجيراتها بذريعة استهداف حزب الله، فيما ظلّ الجنوب يُدفَن ويُهدَم على وقع تفاوضٍ متعثّر.
حصيلةٌ بشرية ثقيلة
الأرقام وحدها تكفي لقياس الكارثة. تشير وزارة الصحة اللبنانية إلى أن الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ 8 تشرين الأول 2023 بلغت نحو 8948 شهيداً وأكثر من 30 ألف جريح، غالبيتهم في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. وفي ذروة النزوح، اقتُلع أكثر من مليون ومئتي ألف شخص من بيوتهم، وفق بيانات الأمم المتحدة ووزارة الصحة.
خلف كل رقمٍ اسمٌ وبيتٌ وأرض. عائلاتٌ بأكملها غُيّبت تحت الركام، وأخرى تنقّلت بين المدارس والمراكز قبل أن تعود إلى بلداتٍ لم يبقَ منها الكثير. الحصيلة ليست خطّاً بيانياً أُغلق مع الهدنة، بل رقمٌ ما زال يرتفع مع كل غارةٍ جديدة.
بيوتٌ لا تعود: الإعمار المعلّق
حين تصمت المدافع، تبدأ معركةٌ أصعب: إعادة البناء. تُقدَّر كلفة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب في لبنان بنحو أحد عشر مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، في بلدٍ لا تملك دولته ثمن عودة أهل الجنوب أصلاً. النتيجة أن قرىً حدودية كاملة ما زالت ركاماً، وأن العودة إليها تبقى، لكثيرين، حلماً مؤجّلاً.
وكما فصّلنا في ملف الأرض المحروقة، فإن تدمير البيوت والحقول والمدارس لا يقرأ بوصفه أثراً جانبياً للحرب، بل سياسة تُفرّغ الأرض من أهلها. ومن دون إعمارٍ حقيقي، تتحوّل الهدنة إلى تهجيرٍ بالتقسيط. تفاصيل العجز المالي عن تمويل العودة عرضناها في مقارنة المئتي مليون مقابل الأحد عشر ملياراً.
هدنةٌ لا تصمد
على عكس ما توحي به كلمة «وقف إطلاق النار»، لم يعرف الجنوب هدوءاً حقيقياً. فالخروقات شبه يومية، من القصف المدفعي إلى تفجير المنازل والمدارس وصولاً إلى الاغتيالات المستهدفة، فيما تتذرّع إسرائيل في كل مرة باستهداف حزب الله. وفي المقابل، تراوح المفاوضات مكانها: جولات روما السياسية متعثّرة، ومسارٌ عسكري مرتقب في تامبا بفلوريدا لم يُحسم موعده بعد.
وتزداد الصورة قتامةً مع اقتراب نهاية مهمة قوة «اليونيفيل». فبموجب القرار 2790، يُنهى تفويض القوة الدولية نهاية 2026 على أن تنسحب خلال عام، ما يطرح سؤالاً وجودياً عن مَن يملأ الفراغ الأمني في جنوبٍ ما زال تحت النار، عالجناه في ملف ما بعد اليونيفيل.
الجنوب سؤالٌ معلّق
بعد عامين، يبقى أهل الجنوب هم الثابت الوحيد في معادلةٍ تتبدّل حولهم كل التوازنات. هم من دفعوا الثمن الأثقل، ومن يُعاد بناء بيوتهم ببطءٍ أو لا يُعاد، ومن يُحصَون في النشرات أرقاماً ويغيبون عن طاولات القرار أسماءً. تُرسم خرائط التفاوض في العواصم، ويُقرَّر مصير أرضهم بعيداً عنهم، بينما يواصلون، بصمتٍ عنيد، تنظيف الركام وزرع ما تبقّى من زيتون.
في الذكرى الثانية، لا يطلب الجنوب رثاءً. يطلب أن يُسمَع لا أن يُحصى، وأن يعود لا أن يُنتظَر. تلك هي الحكاية التي لا تختصرها الأرقام: أرضٌ تُقصف ويُعاد اختبار صبر أهلها كل فجر، وناسٌ قرّروا أن البقاء نفسه صار شكلاً من أشكال المقاومة.




