بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه على غزة واعتداءاته المتنقّلة من الضفة إلى الجنوب اللبناني، تبرز الرياض بوصفها أحد أثقل اللاعبين الدبلوماسيين العرب في هذه المرحلة. الموقف السعودي، كما تعبّر عنه تصريحات وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان والبيانات الرسمية، يقوم على ثابتَين: رفض أيّ تغيير للوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس والمسجد الأقصى، والمطالبة بفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية إلى غزة دون عوائق. في المقابل، تتآكل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المسرح الدولي، من مذكّرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية إلى ملاحقات قضائية جديدة ودعوات علنية لاعتقاله.
موقف سعودي واضح حول الأقصى والقدس
يتمسّك الموقف السعودي المُعلن برفض أيّ محاولة لتقسيم المسجد الأقصى أو تغيير الوضع القائم في مدينة القدس. وقد شدّدت الرياض، على لسان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان، على رفضها "جميع المحاولات الرامية إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم" في المدينة المقدّسة، معتبرةً أن المساس بالمقدّسات الإسلامية والمسيحية خطٌّ أحمر.
هذا الموقف ليس تفصيلًا رمزيًّا. فالوضع القائم في الحرم القدسي الشريف هو حجر الزاوية في أيّ تسوية مقبلة، وأيّ تغيير أحادي فيه يُنظر إليه عربيًّا وإسلاميًّا باعتباره تفجيرًا للمنطقة برمّتها. وباعتبارها ثقلًا في العالمين العربي والإسلامي، فإن تكرار السعودية لهذا الموقف يُبقي الملف حاضرًا في المحافل الدولية ويمنح الغطاء السياسي للمواقف العربية الجماعية.
غزة: المطالبة بفتح المعابر وإدخال المساعدات دون عوائق
على جبهة غزة، يتقاطع الموقف السعودي مع تحرّك عربي أوسع يطالب بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع "دون عوائق". وقد شكّلت التنسيقات بين وزراء خارجية عربٍ فاعلين، من بينهم مصر والسعودية إلى جانب تركيا، إطارًا للضغط في اتجاه تذليل العقبات أمام أيّ اتفاق يوقف الحرب ويفتح الطريق أمام الإغاثة.
وتتزامن هذه التحرّكات مع استمرار سقوط الشهداء في القطاع تحت القصف الإسرائيلي، وسط مظاهرات إسرائيلية قرب الحدود ضدّ إدخال المساعدات، وفق ما نقلته وسائل إعلام عربية. المطلب السعودي والعربي هنا واضح: لا يجوز أن تتحوّل المساعدة الإنسانية إلى ورقة ابتزازٍ سياسي أو أداة عقابٍ جماعي.
رفض "إسرائيل الكبرى" ومظلّة الحلّ السياسي
لم يقتصر الموقف السعودي على القدس وغزة. ففي تصريحات سابقة، رفض الأمير فيصل بن فرحان علنًا ما سُمّي "رؤية إسرائيل الكبرى"، ووصف ما يجري في غزة بأنه "حرب إبادة"، مشيرًا إلى أن الخطوات الإسرائيلية في الضفة الغربية تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية.
وتنشط الرياض ضمن لجنة وزارية منبثقة عن القمة العربية الإسلامية، تعمل على دفع حلّ الدولتين وتثبيت المرجعية السياسية لأيّ تسوية. وفي الأمم المتحدة، أدانت المجموعة العربية الرفض الإسرائيلي المُعلن لخارطة الطريق ولإقامة الدولة الفلسطينية، معتبرةً أن هذا الرفض يقوّض الجهود الجماعية لتحقيق سلامٍ عادل ودائم. هذه المظلّة الدبلوماسية، وإن لم توقف الحرب بعد، تُراكم عزلةً سياسية حول الموقف الإسرائيلي.
في المقابل: صورة نتنياهو تتآكل دوليًّا
على الضفة الأخرى، يعيش بنيامين نتنياهو واحدةً من أصعب مراحله على صعيد الصورة الدولية. فمنذ إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكّرة توقيفٍ بحقّه على خلفية الحرب على غزة، باتت تحرّكاته الخارجية محكومةً بحساباتٍ قانونية دقيقة.
وقد تعزّز هذا المسار بخطواتٍ جديدة: فقد أعلنت تركيا إصدار مذكّرة توقيفٍ بحقّ نتنياهو بتهمة "الإبادة الجماعية"، وطلبت من الإنتربول إصدار "نشرات حمراء" لتوقيفه دوليًّا، وفق ما نقلته وكالات ووسائل إعلام دولية، في خطوةٍ ردّ عليها نتنياهو بمهاجمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كذلك دعا عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني الحكومة الفيدرالية الأميركية إلى تنفيذ مذكّرة المحكمة الجنائية الدولية في حال زيارة نتنياهو المدينة خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
في الداخل والخارج، يواصل نتنياهو خطابًا تصعيديًّا، من التلويح بإخلاء مناطق في غزة إلى التأكيد أن إسرائيل "لن تعود إلى واقع ما قبل السابع من أكتوبر". لكن هذا الخطاب، بدل أن يعزّز موقعه، يزيد من عزلته أمام رأيٍ عامٍّ دوليٍّ متنامٍ يرى في الحرب على غزة جريمةً موصوفة.
ماذا يعني ذلك للبنان والجنوب؟
لا ينفصل هذا المشهد عن الجنوب اللبناني. فالاحتلال نفسه الذي يقصف غزة يواصل اعتداءاته على قرى الجنوب وبلداته، ويسقط الشهداء على الجانبين من الحدود. أيّ ضغطٍ دبلوماسي عربي يضيّق هامش الاحتلال في غزة والقدس ينعكس، ولو بصورة غير مباشرة، على قدرته على مواصلة العدوان على لبنان.
الرهان اللبناني، ومعه رهان أهل الجنوب الذين يدفعون الثمن الأفدح، أن لا تبقى المواقف العربية عند حدود البيانات، وأن تتحوّل إلى ضغطٍ فعليٍّ يوقف آلة الحرب. فالكلام عن حماية المقدّسات وفتح المعابر يكتسب معناه الحقيقي حين يترجَم حمايةً للناس، في غزة كما في الجنوب.
خلاصة
تتقدّم الرياض دبلوماسيًّا حول ملفَّي الأقصى وغزة، متمسّكةً بالوضع القائم في القدس ومطالِبةً بإدخال المساعدات دون عوائق، ضمن تحرّكٍ عربيٍّ أوسع نحو حلّ الدولتين. وفي المقابل، تتآكل صورة نتنياهو تحت وطأة الملاحقات القضائية والعزلة. تبقى العبرة في التنفيذ: المواقف وحدها لا توقف حربًا، لكنها تصنع المناخ الذي قد يوقفها.





