يعود سؤال إلغاء الطائفية السياسية إلى واجهة النقاش اللبناني كلّما اشتدّت الأزمة، ثم يخبو من دون أن يتقدّم خطوة. المفارقة أنّ الجواب الدستوري عن السؤال محسومٌ منذ عقود: النصّ يريد إلغاءها، ويرسم لذلك طريقاً. لكنّ الذين يُفترض بهم أن يسلكوا هذا الطريق هم أنفسهم من يعيشون من بقاء النظام على حاله. فهل حان الوقت فعلاً، أم أنّ السؤال يعود هذه المرّة من الباب الخطأ؟
نصٌّ يريد الإلغاء منذ 1943
خلافاً لما يظنّه كثيرون، إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلباً معارضاً للدستور، بل هو الدستور نفسه. فقرة (ح) من مقدّمة الدستور، المستمدّة من وثيقة الوفاق الوطني (الطائف)، تنصّ صراحةً على أنّ "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطّة مرحلية".
الأبعد من ذلك أنّ المادة 95 رسمت الآلية بالتفصيل: على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين أن يتّخذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطّة مرحلية، وأن تُشكَّل "هيئة وطنية" برئاسة رئيس الجمهورية، تضمّ رئيسَي مجلسي النواب والوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، مهمّتها دراسة السبل الكفيلة بالإلغاء واقتراحها ومتابعة تنفيذ الخطّة. النصّ إذاً واضح، والإرادة التأسيسية معلنة. ما هو غائب هو التطبيق.
لماذا بقي حبراً على ورق طوال ثمانية عقود؟
السبب ليس قانونياً بل بنيوي. النظام الطائفي في جوهره آلية لتوزيع الحصص: مقاعد، وظائف، صفقات، ونفوذ يتوزّع على زعماء الطوائف لا على المواطنين. من يملك حصّة في هذا التوزيع لا مصلحة له في إلغائه. وهكذا صار "الهدف الوطني الأساسي" شعاراً يُرفع في المناسبات ويُدفن في التفاصيل، لأنّ المطلوب عملياً أن تصوّت الطبقة الحاكمة على إنهاء المصدر الذي منه تستمدّ شرعيتها وامتيازاتها.
يزيد الطين بلّة غياب أيّ معطى ديموغرافي رسمي: لبنان لم يجرِ إحصاءً سكانياً رسمياً معترفاً به منذ عام 1932. هذا الفراغ المقصود يجعل كلّ نقاش حول التمثيل معلّقاً في الهواء، إذ لا أحد يريد أرقاماً قد تُعيد فتح ملفّ توزيع السلطة. فالغموض هنا ليس نقصاً في المعرفة، بل أداة حكمٍ بحدّ ذاتها.
المناصفة: درعٌ لمن، وممّ؟
في قلب التعثّر تقف مسألة المناصفة. فبعد الطائف، جرى تثبيت توزيع مقاعد البرلمان والوظائف العليا مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين. وتُنظر هذه المناصفة، في وجدان قسم كبير من القوى المسيحية، بوصفها ضمانة لطائفة تتقلّص حصّتها العددية، لا امتيازاً يُتنازل عنه بسهولة.
وبحسب قراءات سياسية متعدّدة، فإنّ أيّ انتقال إلى نظام لا طائفي يعني حسابياً أن يصبح للطوائف الأكبر عدداً وزنٌ أكبر في القرار، وهو ما يقلق الطوائف الأصغر. لهذا اقترن قبول المسيحيين التاريخي بإلغاء الطائفية السياسية بمطلب اللامركزية الإدارية الموسّعة تعويضاً، بل إنّ جزءاً من الخطاب المسيحي اليوم تجاوز اللامركزية إلى الحديث عن صيغ فيدرالية. أي أنّ نزع الطابع الطائفي عن المركز مشروطٌ عند هذا الفريق بمنحه هامشاً أوسع لإدارة مناطقه. المسألة ليست عناداً، بل معادلة خوفٍ متبادل لم يُحلّ بعد.
عودة السؤال من باب السلاح لا من باب الإصلاح
الجديد في 2026 أنّ السؤال عاد إلى الطاولة، لكن ليس عبر ديناميّة إصلاحية خالصة. فبحسب ما نقلته تقارير، طرح نائبان من الثنائي الشيعي، علي فياض (حزب الله) وعلي حسن خليل (حركة أمل)، خلال جلسة لجنة نيابية حول قانون الانتخاب، الدعوةَ إلى تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، بما فيه بنوده غير المطبَّقة كإلغاء الطائفية السياسية.
قرأ خصومهم الطرح بوصفه مناورة: ربط ملفّ حصرية السلاح بإصلاح سياسي شامل يصعب تحقيقه، بما يُعطّل مسار نزع السلاح. وردّت مصادر حكومية بأنّ الدولة منفتحة على معالجة الإصلاح السياسي بالتوازي مع حصر السلاح. هنا يكمن الخطر على الفكرة نفسها: حين يتحوّل إلغاء الطائفية السياسية إلى ورقة مساومة في سلّة إقليمية، يفقد صفته كمشروع وطني جامع ويصبح بنداً في صفقة، تصعد قيمته وتهبط تبعاً لموازين القوى لا لمصلحة المواطن.
مجلس الشيوخ: الضمانة الغائبة
يغفل كثيرون أنّ الطائف لم يطرح إلغاءً مجرّداً للطائفية، بل قدّم لها بديلاً مؤسسياً. فالمادة 22 من الدستور تنصّ على أنّه مع انتخاب أوّل مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدَث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحيّاته في القضايا المصيرية الكبرى.
المنطق هنا دقيق: يُنقل التمثيل الطائفي من مجلس النواب، الذي يصبح مجلس مواطنين، إلى مجلس شيوخ يطمئن الطوائف على مصيرها في المسائل الوجودية. غير أنّ هذا المجلس لم يُنشأ قطّ، وبقيت الضمانة على الورق. وبدون هذه الضمانة، يصعب إقناع الطوائف القلقة بالتخلّي عن المناصفة، فتدور الحلقة على نفسها: لا إلغاء للطائفية بلا مجلس شيوخ، ولا مجلس شيوخ ما دامت الطائفية قائمة.
الطائفية والمحرومون: الوجه المنسيّ للمسألة
خلف السجال الدستوري، ثمّة وجهٌ اجتماعي نادراً ما يُقال. النظام الطائفي لا يوزّع الامتيازات على الطوائف بوصفها جماعات متساوية، بل على زعمائها. وبين وعد التمثيل وواقع الحرمان مسافة طويلة دفع ثمنها أهل الأطراف المهمّشة: عكّار، والبقاع، والجنوب، وأحزمة البؤس حول المدن، حيث الخدمات أفقر والدولة أبعد، أياً كانت طائفة السكان.
من هذه الأطراف المنسيّة، لا من قصور الزعماء، ارتفع تاريخياً صوت الحرمان الأعلى مطالباً بدولةٍ ترى في الناس مواطنين لا رعايا طوائف. وهنا بيت القصيد: إلغاء الطائفية السياسية لا يعني إلغاء الأديان ولا الأحوال الشخصية ولا التنوّع، بل يعني أن تُبنى الدولة على المواطنة والكفاءة بدل المحاصصة. المعركة ليست بين طائفة وأخرى، بل بين منطق المواطن ومنطق الحصّة.
فهل حان الوقت؟
الجواب الصادق مزدوج. من جهة النصّ، الوقت حان منذ عقود؛ الطائف حسم الوجهة، والمادة 95 جهّزت الأدوات، والمقدّمة سمّتها "هدفاً وطنياً أساسياً". لا ينقص شيء في القانون. من جهة الواقع، لم تكتمل الشروط بعد: لا إرادة لدى المستفيدين من النظام أن يصوّتوا على إنهائه، ولا ضمانة اسمها مجلس الشيوخ أُنشئت، ولا حتى إحصاء يُبنى عليه أيّ توزيع عادل.
والأخطر أن يُدفَع الملفّ اليوم تحت ضغط خارجي وفي سياق مقايضة السلاح، فيولد مشوّهاً: إلغاءٌ شكليٌّ يُنتزَع في صفقة بدل دولة مواطنة تُبنى بإرادة أهلها. حان وقت النصّ، لكن لم يحن بعد وقت الإرادة. وبين الاثنين يقف اللبنانيون أمام الامتحان القديم نفسه: هل يريدون دولةً للمواطنين، أم يفضّلون أمان الحصّة على مجازفة المساواة؟ يوم يُحسم هذا السؤال في الداخل، لا على طاولة الخارج، يكون الوقت قد حان فعلاً.
توصية: لا حلٌّ يُرضي الجميع دفعةً واحدة، بل بابٌ اختياريٌّ للجيل الجديد
قد يكون خطأ الإصلاحيين التاريخيّ أنّهم بحثوا عن حلٍّ شاملٍ يُرضي الطوائف كلّها في آنٍ واحد، فاصطدموا دائماً بجدار الخوف المتبادل. والأرجح أنّ مثل هذا الحلّ لا وجود له: ما يطمئن طائفةً يقلق أخرى، وما يبدو عدلاً لفريقٍ يبدو تهديداً لآخر. لذلك فإنّ الطريق الواقعي ليس معركةً كبرى تُحسم مرّةً واحدة، بل خطّةٌ مرحلية تفتح باباً اختيارياً بدل أن تهدم بيتاً قائماً.
الفكرة بسيطة: لا يُطلب من أحدٍ التخلّي عن طائفته أو عن نظام أحواله الشخصية إن تمسّك بهما، بل يُفتح إلى جانب النظام الطائفي مسارٌ مدنيٌّ اختياريٌّ لمن يريد أن يكون مواطناً بلا خانةٍ مذهبية. وهذا ليس خيالاً؛ فالأساس القانوني موجود منذ تعميم وزير الداخلية الأسبق زياد بارود في السادس من شباط 2009، الذي أتاح للبنانيين شطب القيد الطائفي من سجلات الأحوال الشخصية استناداً إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات. وعلى هذا الأساس سُجّل أوّل زواج مدني في لبنان عام 2013 بين خلود سكرية ونضال درويش. البذرة مزروعة، لكنها بقيت ثغرةً فردية بلا إطار.
ما ينقص هو تحويل هذه الثغرة إلى مسارٍ كامل: قانون اختياري للأحوال الشخصية المدنية، من زواجٍ وإرثٍ وحضانة، يختاره من يشاء، وسجلٌّ مدنيٌّ لا طائفيّ معترفٌ به رسمياً. عندها يكبر جيلٌ جديد وأمامه خيارٌ لم يكن متاحاً لآبائه: أن يُعرّف نفسه بجنسيّته لا بمذهبه. لن يُلغي ذلك الطائفية بين ليلةٍ وضحاها، لكنه يبني، بهدوء ومن دون غالبٍ ومغلوب، قاعدةً اجتماعية للدولة المدنية تتّسع مع الأيام.
هنا يلتقي النصّ مع الحياة: طلب الطائف "خطّةً مرحلية"، وهذا أصدق تدرّجٍ ممكن. لا يُنتزع الإلغاء في صفقةٍ خارجية، ولا يُفرض بقرارٍ فوقيّ يوقظ المخاوف، بل يُختار فرداً فرداً حتى يصير أغلبية. ويوم يصبح المسار المدني خياراً حقيقياً متاحاً لا استثناءً نادراً، يكون اللبنانيون قد شرعوا فعلاً في الإجابة عن السؤال، لا بالكلام بل بالخطوات: أن تُبنى الدولة، أخيراً، على المواطن.





