قبل أشهرٍ قليلة من نهاية العام، دخلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) الفصل الأخير من مهمّةٍ بدأت عام 1978. القرار الذي اتخذه مجلس الأمن في آب 2025 لم يكن تمديداً عادياً، بل تمديداً وصفه المجلس نفسه بأنه الأخير: تُوقف اليونيفيل عملياتها في 31 كانون الأول 2026، ثم تبدأ انسحاباً منظّماً يمتدّ حتى عامٍ كامل. بذلك يُطوى، بعد نحو خمسة عقود، أحد أطول الحضور الأممي في منطقةٍ واحدة، فيما يبقى السؤال الأصعب بلا جواب: ماذا بعد؟

عدٌّ تنازليّ: مهمّةٌ تنتهي بعد نصف قرن

نشرت اليونيفيل على طول الخط الأزرق منذ 1978، وتوسّعت مهمّتها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701، الذي أنيطت به مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني. اليوم تضمّ القوة نحو 7400 عنصر. وبحسب المتحدثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل، فإن «الولاية سارية حتى 31 كانون الأول 2026، ومهمّتنا مستمرّة حتى ذلك الحين». غير أن ما يلي هذا التاريخ ما يزال غامضاً: لا خطة واضحة، ولا جدول زمني معلن لما سيحلّ مكان القبعات الزرق على الحدود.

واشنطن لا تريد التمديد: الرهان على «الإطار»

الدفع الأميركي كان حاسماً في صياغة قرار الإنهاء. فقد أعلنت الخارجية الأميركية صراحةً أنها لا تدعم أي تمديد لولاية اليونيفيل بعد نهاية 2026، معتبرةً أن البديل هو «اتفاق الإطار» الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. ينصّ هذا الاتفاق على إقامة «مناطق تجريبية» في الجنوب تُوضع تحت سيطرة الجيش اللبناني، على أن ينسحب الجيش الإسرائيلي منها بعد التحقّق. لكن التطبيق متعثّر: فحتى الآن لم تنسحب إسرائيل إلا من واحدةٍ من منطقتين متفق عليهما، فيما تبقى آليات التحقّق مبهمة. بل إن وسائل إعلام إسرائيلية، بينها موقع «واللا»، نقلت أن تل أبيب أبلغت واشنطن بفشل خطة «المناطق التجريبية»، ولا تعتزم توسيعها. هكذا يُراد لليونيفيل أن ترحل لصالح ترتيبٍ لم يثبت أنه يعمل بعد.

بدائل بلا قرار: خيارات غوتيريش والفراغ المحتمل

في الثاني من حزيران، رفع الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن ثلاثة خيارات، تُقلّص جميعها عديد القوة: حضور خفيف أو متوسط أو أوسع، بأعداد تتراوح بين 900 و1500 و3000 عنصر، إلى جانب مراقبين عسكريين وقوات احتياط. لكن المجلس لم يحسم خياره، وقد يذهب إلى صيغةٍ مختلفة كلياً. في موازاة ذلك، طرحت إيطاليا وفرنسا خلال قمّة أنتيب أواخر حزيران فكرة تحالفٍ متعدد الجنسيات لما بعد اليونيفيل، وانضمّت ألمانيا إلى الدعوة لقوة أوروبية، فيما اقترحت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية بعثة مدنية عسكرية لثلاث سنوات لتعزيز قدرة الدولة والجيش اللبناني على ضبط الحدود. أما لبنان الرسمي فلم يُخفِ تفضيله بقاء حضورٍ دولي: تلقّى منسّق الأمم المتحدة الخاص وفداً يمثّل 86 نائباً وقّعوا عريضة تطالب بتجديد الولاية، خشية تبعات الانسحاب. وبين كل هذه الاحتمالات، يلوح خطرٌ واحد ملموس: أن يُترك الجنوب أمام فراغٍ أمنيّ في لحظةٍ شديدة الحساسية.

الجنوب يدفع، والسيادة على المحكّ

تجري هذه النقاشات الدبلوماسية بينما الميدان الجنوبي يعيش واقعاً مغايراً. فالاحتلال الإسرائيلي ما يزال قائماً في نقاطٍ من الأرض اللبنانية، والغارات والتوغّلات على القرى الحدودية متواصلة رغم وقف إطلاق النار المعلن. حين تُنهي اليونيفيل عملها، تنتهي معه مهامّ المراقبة والإبلاغ والتنسيق اليومي بين الطرفين المنصوص عليها في القرار 1701، حتى لو بقيت قرارات مجلس الأمن قائمة على الورق. عملياً، لن يبقى على الأرض من يوثّق الخروقات وينقلها إلى العالم. وراء لغة الخيارات والأعداد، ثمة ناسٌ: أهالي بلداتٍ عادوا إلى بيوتٍ نصف مهدّمة، ومزارعون يزرعون على مرمى المسيّرات، وعائلاتٌ تدفن أبناءها. هؤلاء هم من سيتحمّلون كلفة أي فراغ. السؤال، في نهاية المطاف، ليس كم خوذةً زرقاء ستبقى، بل من يحمي الأرض وأهلها حين تغيب، ومن يصون سيادةً لبنانية ما زالت، حتى الساعة، منقوصة على حدود الجنوب.