ليلةٌ ثانية على التوالي، لم تهدأ فيها سماء الجنوب اللبناني. من الخيام إلى برعشيت، ومن وادي الحجير إلى النبطية الفوقا، تتوالى الغارات وعمليات النسف والقصف المدفعي التي ينفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، فيما يعيش الأهالي بين البقاء في أرضهم ونزوحٍ متجدّد. وعلى وقع هذا التصعيد، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري أنّ «اتفاق الإطار قد انهار»، ليتّسع الفارق بين ما وُقّع على الورق وما يجري فعلاً على الأرض.
ليلٌ لا ينتهي: من الخيام إلى برعشيت
أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأنّ الجيش الإسرائيلي استهدف فجر الجمعة بلدة برعشيت ووادي الحجير بالمدفعية الثقيلة. وكانت غاراتٌ ليلية قد طالت في الليلة السابقة بلدات الخيام وصربين والمنصوري والنبطية الفوقا ومنطقة العرايش بين بلدتي حداثا وحاريص، وذلك رغم تحذيراتٍ سابقة أطلقها الجيش اللبناني، وفق ما نقلته وكالة الأناضول.
ويصف موقع «جنوبية» المشهد بأنّ «التصعيد الجنوبي يبلغ ذروته»، مع اتساع رقعة عمليات التفجير والقصف المدفعي والجوي في أودية الجنوب وبلداته. تصعيدٌ لم يعد مقتصراً على نقطة بعينها، بل بات يمتدّ من الشريط الحدودي إلى العمق، ليطاول بلدات آمنة نسبياً في الأسابيع الماضية.
الوديان تُنسف: حربٌ على الأرض نفسها
اللافت في هذه الموجة أنّها لا تستهدف المنازل والطرقات فحسب، بل الأرض ذاتها. فالوديان التي شكّلت لعقودٍ ملاذاً للمزارعين ومسالك للرعاة، من وادي الحجير إلى وادي زبقين، تحوّلت إلى ساحات نسفٍ منهجي. تجريفٌ وتفجيرٌ يغيّران معالم جغرافيا الجنوب، ويحرمان أهله من مواسمهم ومن حقّ العودة إلى حقولهم.
هذا الشكل من الاستهداف يحمل رسالةً تتجاوز اللحظة العسكرية: جعل الحياة في القرى الحدودية شبه مستحيلة، ودفع من بقي منها إلى الرحيل. وهو ما يعيشه أهل الجنوب منذ أشهر، بين بيتٍ مهدَّم وأرضٍ مقفرة.
الجيش في الشارع والناس في الانتظار
في مواجهة هذا الواقع، انتشرت وحداتٌ من الجيش اللبناني والأمن العام في شوارع النبطية لطمأنة الأهالي وضبط الوضع الميداني، وفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام. حضورٌ رمزيّ ومعنويّ في مدينةٍ أنهكها القلق، لكنّه يبقى عاجزاً عن ردّ الغارات التي تأتي من الجوّ.
وكانت قيادة الجيش قد أحصت نحو 7700 خرقٍ إسرائيلي للاتفاق منذ دخوله حيّز التنفيذ، في توثيقٍ رسميّ يكشف الفجوة بين التزامات الورق والوقائع اليومية. يقف الجيش اللبناني في الشارع شاهداً وضامناً، بينما ينتظر الأهالي جواباً لا يأتي: هل يعودون أم يرحلون من جديد؟
«اتفاق الإطار قد انهار»
على المستوى السياسي، جاء إعلان الرئيس بري انهيار «اتفاق الإطار» تكريساً لما تقوله الوقائع الميدانية. فالاتفاق الذي رُوّج له في مطلع العام كان ينصّ، بحسب الجزيرة، على انسحابٍ إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها. لكن ما جرى هو العكس: بقاءٌ إسرائيلي معلَن في ما تسمّيه تل أبيب «المناطق الأمنية»، وتصعيدٌ ميدانيّ يوميّ.
بين خطابٍ رسميّ يعلن انهيار المسار التفاوضي، وأرضٍ تُقصف وتُنسف ليلاً ونهاراً، يبقى أهل الجنوب هم من يدفع الثمن الأكبر: لا هدنةً تحميهم، ولا انسحاباً يعيدهم، ولا صوتاً عالياً يروي ما يعيشونه كلّ ليلة. صمودهم اليوميّ، الصامت، هو الخبر الأكبر الذي نادراً ما يُروى.





