مع اقتراب انطلاق العام الدراسي منتصف أيلول، لا يُقرَع جرس المدرسة في الجنوب هذا العام إلا على وقع الغارات. آلاف الأطفال يقفون على عتبة صفوفهم بين مبنى متضرّر، وعائلة نازحة، وطريق عودة غير آمن. الوزارة تراهن على «خطة مرنة» لإنقاذ العام، لكنّ السؤال الذي يلاحق أهل الجنوب أبعد من التنظيم اللوجستي: هل تسرق الحرب عاماً جديداً من طفولة أبنائهم؟
خطة مرنة تحت الضغط
زارت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي المنطقة التربوية في محافظة النبطية مطلع أيلول 2026، وبحثت مع مديري المدارس تحديات انطلاق العام الدراسي في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وأعلنت، وفق تصريحاتها، «خطة مرنة» لانطلاق العام تراعي وضع المدارس المتضررة وظروف التلامذة.
وأكدت كرامي أنّ الوزارة «ستتخذ قرارات مؤقتة بالتعليم من بُعد في حال عدم جهوزية المباني المتضررة»، مشدّدةً على «حقّ طلاب الجنوب بالتعلّم» وتجاوز التحديات. الرسالة الرسمية واضحة: لا تأجيل شاملاً للعام، بل مسارات بديلة حيث يتعذّر الدوام الحضوري.
مدارس جريحة
خلف عبارة «المباني المتضررة» واقع ميداني ثقيل. عدد من مدارس الجنوب أصابتها الغارات بأضرار مباشرة، فيما تحوّل بعضها الآخر إلى مأوى لعائلات نازحة فرّت من بلداتها الحدودية. بين مدرسة يحتاج ترميمها إلى وقت، وأخرى ما زالت تؤوي مهجَّرين، تتقلّص المساحة الآمنة المتاحة للتعليم الحضوري في القرى الأكثر تعرّضاً للقصف.
هذا الواقع يفسّر لماذا يبقى التعليم من بُعد، رغم كل مآخذه، خياراً اضطرارياً لا رفاهية: البديل في كثير من البلدات هو انقطاع كامل عن الدراسة.
عائلات ممزّقة بين النزوح والعودة
على المستوى الإنساني، تجد عائلات الجنوب نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ. بعضها استقرّ في مناطق النزوح وبدأ يسجّل أبناءه في مدارس جديدة بعيداً عن بلداته، فيما يتمسّك بعضها الآخر بالعودة والرهان على التعليم من بُعد ريثما تهدأ الجبهة. القرار لا يخصّ العام الدراسي وحده، بل مستقبل الأسرة كلّها وارتباطها بأرضها.
وفي الخلفية، يستمرّ التصعيد الذي جعل العودة إلى بعض القرى مغامرة: غارات متلاحقة على بلدات الجنوب أوقعت شهداء وجرحى في الأيام الأخيرة، آخرها مجزرة كفررمان، ما يبقي شبح النزوح حاضراً عند كل عائلة تفكّر بإعادة أبنائها إلى مقاعدهم.
عامٌ آخر على المحكّ
الكلفة الحقيقية لا تُقاس بعدد المباني وحدها، بل بتراكم الأعوام المضطربة على جيل بأكمله في الجنوب. طفلٌ بدأ الابتدائي مع بدء التصعيد يكبر اليوم وقد صار الانقطاع والتعليم المتقطّع جزءاً من ذاكرته المدرسية. «الخطة المرنة» تعالج العرَض، أما الجرح فأعمق: حقّ أطفال الجنوب في عامٍ دراسيّ طبيعي، كسائر أطفال البلد، لا يزال رهينة جبهةٍ لم تُطفأ.
يبقى أنّ إصرار الأهالي على إعادة أبنائهم إلى الصفوف، بأي وسيلة متاحة، هو بحدّ ذاته موقف: تمسّكٌ بالتعلّم كآخر خطوط الدفاع عن كرامة مكانٍ يُراد له أن يُفرَّغ من ناسه.




