قبل أن يكتمل الفجر في السادس من أيلول، كانت سماء النبطية تضجّ بأزيز الطيران الإسرائيلي. سلسلة غارات عنيفة ضربت المدينة وبلدات جوارها، لكنّ الضربة الأشدّ رمزيةً في هذا اليوم لم تكن على منزل أو طريق، بل على مستشفى صلاح غندور في النبطية الفوقا. مبنى صحّي أُصيب ودُمّر وفق ما أفادت وسائل إعلام لبنانية، في اعتداء يتجاوز حصيلة الشهداء والجرحى إلى ما تتّكئ عليه بلدات الجنوب حين تُصاب: قدرتها على مداواة أبنائها.

ما جرى فجر الأحد

بحسب مصادر ميدانية نقلتها وسائل إعلام لبنانية، شنّت الطائرات الإسرائيلية منذ الفجر موجة قصف مكثّفة طالت أحياء الرويس والراهبات في قلب مدينة النبطية، وامتدّت إلى النبطية الفوقا والتحتا وبلدة زوطر الشرقية وصولاً إلى عربصاليم في القضاء نفسه. وأعلنت وزارة الصحّة العامة حصيلة ارتفعت خلال النهار إلى سبعة شهداء بينهم امرأتان ونحو عشرين جريحاً في هذه الغارات، وسط حالة ذعر سادت المنطقة جرّاء كثافة التحليق والقصف.

وجاء هذا التصعيد بعد ادعاء الجيش الإسرائيلي رصد مسيّرتين أُطلقتا باتجاه مواقع لجنوده في المنطقة التي يسمّيها "المنطقة الأمنية"، وهي رواية للاحتلال لم تتأكّد من مصدر لبناني مستقلّ حتى ساعة نشر هذه المادة.

المستشفى في مرمى النار

مستشفى صلاح غندور من المرافق الصحّية المعروفة في النبطية الفوقا، وقد سبق أن تعرّض لأضرار في جولات القصف السابقة. صباح الأحد، تحدّثت وسائل إعلام لبنانية عن استهدافه مباشرةً، ثمّ أكّدت وزارة الصحّة العامة في وقت لاحق تدميره بالكامل، معلنةً إدانتها الرسمية للغارة ووصفها بأنها انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني. وأشارت مصادر إلى أنّ المستشفى كان خالياً من المرضى والموظفين وقت الاستهداف، وهو ما يفسّر عدم ورود حصيلة بشرية مباشرة من داخله.

استهداف مرفق طبّي، أياً تكن ذريعته، يقع في دائرة ما تحميه المواثيق الدولية صراحةً. فالقانون الدولي الإنساني يصنّف المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبّية أهدافاً محميّة، ولا يجيز المسّ بها إلا في شروط ضيّقة للغاية. وتضاف هذه الحادثة إلى نمط وثّقته مصادر ميدانية لبنانية في الأيام الأخيرة، من استهداف مسعفين وسيارات إسعاف أثناء أداء مهامهم، بينها ما أُفيد عنه في بلدة الرمادية حيث سقط شهيد وعدد من الجرحى بينهم مسعفون، مع تضرّر آليات إسعاف.

عربصاليم: إنذار إخلاء ثمّ قصف

في بلدة عربصاليم، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء مبنى، ثمّ سرعان ما شنّت طائراته غارة على منزلٍ آخر مأهولٍ لم يشمله الإنذار فدمّرته، ما أدّى إلى استشهاد سيّدتين هما بسيمة حيدر حسن وإسراء بهجة، وإصابة ستّة آخرين بينهم طفلتان، وفق الوكالة الوطنية للإعلام ووزارة الصحّة العامة. وبحسب صحيفة النهار، كانت العائلة المستهدفة نازحة من بلدة جبشيت لجأت إلى عربصاليم، لتُقتل في مأواها من دون إنذار.

مفارقة الإنذار بإخلاء مبنى ثمّ قصف الجوار تتكرّر في الجنوب: تُمنح عائلة دقائق لمغادرة بيتها، ثمّ يُضرب المنزل المجاور بمن فيه، لتتحوّل "التحذيرات" إلى غطاءٍ لتدمير ممنهج للعمران أكثر منها إجراءً لحماية المدنيين.

"الخط الرمادي" ورواية الاحتلال

على المستوى الميداني والسياسي، كشفت هيئة البثّ الإسرائيلية عن توجّه لدى جيش الاحتلال لتقليص حجم قواته المنتشرة في العمق اللبناني، مقابل دراسة إنشاء منطقة أمنية جديدة أقرب إلى الحدود يُطلق عليها تسمية "الخط الرمادي". وتشير تقارير عبرية إلى أنّ الهدف المعلن بناء تحصينات ومواقع دفاعية متقدّمة. كما زعم الاحتلال تدمير شبكة أنفاق في منطقة علي الطاهر التابعة لقضاء النبطية، في محاولة لتصوير عملياته إنجازاتٍ محقّقة.

هذه الروايات كلّها صادرة عن الجانب الإسرائيلي أو عن إعلامه، وتُقرأ في سياق سعيٍ إلى فرض واقع جغرافي وأمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، بما يتنافى مع القرارات الأممية ومع السيادة اللبنانية.

حصيلة حرب لم تتوقّف

يأتي تصعيد الأحد ضمن موجة أوسع: أكثر من خمس وعشرين غارة نفّذها الاحتلال خلال أربع وعشرين ساعة، طالت مناطق الرمادية وميس الجبل وكفر تبنيت والميفدون وصولاً إلى البقاع الغربي. ووفق أرقام رسمية لبنانية، تجاوزت حصيلة العدوان المستمرّ منذ آذار 2026 أربعة آلاف شهيد وأكثر من اثني عشر ألف جريح، فيما نزح ما يزيد على مليون مواطن من قراهم وبلداتهم.

ورغم الاتفاقات السابقة التي رعتها أطراف دولية ونصّت على انسحاب إسرائيلي تدريجي، يواصل الاحتلال توسيع سيطرته الميدانية واحتلال نقاط في الجنوب. وبين مستشفى مدمَّر وحيّ سُوّي بالأرض وعائلة نزحت مجدّداً، يتّضح أنّ المستهدف ليس مبنىً بعينه، بل شروط الحياة نفسها في شريطٍ حدوديّ أنهكته الحرب.