قبل بزوغ فجر الاثنين، لم يكن في بلدة كفررمان ما يشير إلى معركة. لا مواقع ولا رتل ولا اشتباك. مبنى سكني من ثلاث طبقات، ونيام في الداخل. ثم جاءت الغارة الإسرائيلية فسوّت البناء بالأرض. ولم تكتفِ الغارات بذلك: مسيّرة أخرى استهدفت سيارة إسعاف جاءت للإنقاذ، فسقط المسعفون أنفسهم. هذه ليست "ضربة نوعية" على هدف عسكري مزعوم؛ هذه مجزرة في بيت مأهول، وقتلٌ لمن حاول إنقاذ الجرحى.
ما الذي جرى في كفررمان
بحسب مركز عمليات وزارة الصحة العامة، ارتفعت حصيلة الغارتين الإسرائيليتين على بلدة كفررمان بقضاء النبطية إلى اثني عشر شهيداً وعشرة جرحى حتى مساء الاثنين، بينهم طفلان وأربع سيدات ومسعفان. استُهدف في الغارة الأولى مبنى سكني من ثلاث طبقات في محيط مستديرة الشيوعية يعود للمواطن داني فرحات، فدُمّر بالكامل فوق ساكنيه من دون إنذار مسبق بالإخلاء.
وأوضحت الوزارة أنّ حصيلة المنزل المستهدَف ارتفعت إلى أحد عشر شهيداً بعد استشهاد ثلاثة من الجرحى متأثرين بإصاباتهم، بينهم طفل وسيدتان. أما الغارة الثانية فاستهدفت سيارة إسعاف تابعة لكشافة "الرسالة" الإسلامية، فارتقى المسعفان علي شحرور وهادي فرحات اللذان كانا في مهمة إنقاذ. وتواصلت عمليات البحث تحت الأنقاض، فيما تعتمد "المهمّة" الأرقام الصادرة عن المصادر الطبية الرسمية.
قتل المسعفين: خطّ أحمر يُكسر
استهداف سيارة إسعاف وقتل مسعفَين ليس تفصيلاً في هذه الليلة، بل جوهرها. فالقانون الدولي الإنساني يمنح الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف حماية خاصة، ويحظّر استهدافها في كل الأحوال. حين تُضرب سيارة جاءت لانتشال الجرحى، يصبح الإنقاذ نفسه جريمة يدفع ثمنها من تطوّع لإنقاذ الناس. علي شحرور وهادي فرحات لم يكونا مقاتلَين، بل مسعفَين في زيّ الإسعاف.
من مستشفى غندور إلى بيوت الناس
لا تُقرأ مجزرة كفررمان بمعزل عمّا سبقها بساعات. فيوم الأحد، شنّ الاحتلال الإسرائيلي موجة غارات على النبطية وجوارها أوقعت سبعة شهداء بينهم امرأتان، ودمّرت مستشفى غندور في النبطية الفوقا بالكامل، كما طاولت مبنى وزارة المالية وأصابت مراسلاً ومصوّراً صحافيين خلال تغطيتهما.
هذا التسلسل ينقل الاعتداء من منطق استهداف "البنية العسكرية" المعلن إلى استهداف البنية المدنية نفسها: مستشفى، مبنى حكومي، سيارة إسعاف، ثم مبنى سكني يغفو فيه أطفال ونساء. النمط واحد، والضحية واحدة: الجنوب وأهله.
حصيلة ثلاثة أيام
لا تقف المأساة عند كفررمان. فبحسب وزارة الصحة العامة، بلغت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان خلال ثلاثة أيام، من الجمعة إلى الاثنين، سبعة وعشرين شهيداً وتسعة وستين جريحاً. أرقام تختصر إيقاع حربٍ باتت تطاول البيوت والمستشفيات وسيارات الإسعاف، وتضع المدنيين في الجنوب في مرمى مفتوح.
مواقف رسمية
وصف رئيس الجمهورية جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيلية بأنها "تجاوزت الأهداف العسكرية المزعومة" إلى ضرب المرافق المدنية والسكنية، معتبراً إياها جرائم مدانة. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فرأى أن إسرائيل "ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق بريد" لرسائلها السياسية، محمّلاً المجتمع الدولي مسؤولية الصمت حيال ما يجري.
ويأتي التصعيد فيما يحذّر مرجع لبناني، وفق صحيفة "النهار"، من أن المشروع الإسرائيلي يتّجه نحو فرض واقع ميداني في شريط حدودي جنوبي، عبر تفريغ البلدات وتدمير مقوّمات الحياة فيها.
الجنوب في مرمى مفتوح
منذ أشهر، لم تعُد الغارات الإسرائيلية استثناءً بل إيقاعاً شبه يومي على قرى الجنوب وبلداته. ومع كل موجة، يتّسع نطاق الاستهداف ليطاول ما يُفترض أنه محميّ: المستشفيات والمنازل وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والصحافيين. مجزرة كفررمان، بأطفالها ونسائها ومسعفَيها، ليست حادثاً معزولاً بل حلقة في سياق يفرض ثمنه على المدنيين أولاً.
تتابع "المهمّة" تطورات الحصيلة والمواقف الرسمية، وتلتزم بتوثيق الأرقام من مصادرها الطبية والرسمية، بعيداً عن التهويل أو التقليل.




