لم تكن ليلة الأربعاء ـ الخميس ليلةً عادية في جنوب لبنان. من الساحل عند المنصوري إلى تلال مرجعيون وبنت جبيل، تحوّل الشريط الحدودي وعمقه إلى مسرحٍ متّصل من الغارات والقصف المدفعي وعمليات التفجير، بينما كانت المسيّرات الإسرائيلية تحلّق على علوٍ منخفض فوق العاصمة بيروت نفسها. تصعيدٌ لا يُقاس بعدد البلدات المستهدفة وحده، بل بالرسالة التي يحملها: أنّ الحرب لم تنتهِ، وأنّ طاولة المفاوضات في روما لا تحمي أرض الجنوب من النار.
ليلةٌ من النار: خريطة التصعيد
وفق ما نقلته الجزيرة عن الوكالة الوطنية للإعلام، نفّذت الطائرات الحربية الإسرائيلية غاراتٍ عنيفة على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتزامن مع قصفٍ مدفعي وعمليات تفجير وتجريف في عددٍ من بلدات الجنوب. وأغار الطيران الحربي على بلدة صربين على دفعتين، فيما تعرّضت منطقة وادي زبقين لقصفٍ مدفعي، وشُنّت غارتان بين بلدتَي بيت وياطر.
ولم يسلم مجرى نهر الليطاني عند طريق الخردلي من القصف المدفعي العنيف. أمّا في قضاء بنت جبيل، فنفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراتٍ عند أطراف صربين ترافقت مع عملية تمشيط، ثم عاد وأغار على البلدة مجدداً على دفعتين، من دون أن يُبلَّغ عن سقوط ضحايا في تلك الغارات.
تفجيرٌ وتجريف: حربٌ على الحجر
ما يميّز هذه الموجة أنّها لا تكتفي بالنار، بل تمضي إلى محو المكان. فبحسب الوكالة، نفّذت القوات الإسرائيلية تفجيراً ضخماً عند أطراف بلدة برعشيت، وعملية تفجيرٍ أخرى في مجدل زون، وتفجيراً كبيراً في بيوت السياد قبالة المنصوري جنوب مدينة صور.
وفي قضاء مرجعيون، أعملت جرافةٌ إسرائيلية أدوات الهدم في عددٍ من المباني ببلدة حولا، فيما شهدت بني حيان قصفاً مدفعياً وعمليات تجريف، وتعرّضت دوحة كفررمان ومحيط تلة الدبشة لقصفٍ متقطّع. هذا النمط ــ تفجير المنازل وتجريف الأرض بعد إخلائها ــ يرسم حزاماً من الخراب على طول الخط الأمامي، ويجعل عودة الأهالي إلى قراهم أصعب مع كل ليلة.
لماذا الآن؟ التصعيد وطاولة روما
لا يقع هذا التصعيد في فراغ. فهو يتزامن مع مساعٍ لترسيخ ترتيباتٍ أمنية مرتبطة باتفاق 'صيغة الإطار' الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران الماضي، وهو الاتفاق الذي ينص على انسحابٍ إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات المسلّحة. غير أنّ عقدة الانسحاب الميداني ظلّت تراوح مكانها في جولات روما، فيما يواصل الاحتلال إمساكه بالأرض بالنار.
وفي موازاة الميدان، أفادت قيادة الجيش اللبناني بأنّ قائد الجيش رودولف هيكل بحث في إيطاليا مع نظيره لوتشيانو بورتولانو مرحلة ما بعد انتهاء مهام اليونيفيل، التي تنتهي ولايتها في جنوب لبنان بنهاية 2026 وسط نقاشٍ دولي حول مستقبلها. وأكّد بورتولانو أنّ استقرار لبنان أولوية إستراتيجية، مشدّداً على أهمية دعم الجيش اللبناني. تتمسّك بيروت باستمرار القوة الدولية بوصفها أحد عناصر الاستقرار، بينما يبدو أنّ إسرائيل تسعى إلى فرض وقائع على الأرض قبل أيّ ترتيبٍ نهائي.
بيوتٌ بلا أهلها: الجنوب يدفع الثمن
خلف لغة المفاوضات والولايات الدولية، ثمّة قرى تُفرَغ من ناسها وبيوتٌ تُهدَم فوق ذكرياتها. تحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ حرب 2023 ـ 2024، وقد توغّلت في العدوان الراهن مسافةً تصل إلى 12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وفق الجزيرة. وفي آخر إحصاءٍ لوزارة الصحة صدر هذا الأسبوع، بلغت حصيلة العدوان منذ 2 آذار 4350 شهيداً و12310 جرحى.
هذه الأرقام ليست خلفيةً باردة لخبرٍ عابر، بل هي أهل الجنوب أنفسهم: مزارعون تُجرَّف حقولهم، عائلات تُنذَر بالإخلاء ثم تعود لتجد الركام، بلداتٌ صغيرة لا تُذكر أسماؤها في العواصم إلا حين تُقصَف. بينهم من فقد بيته مرّتين في عامين، ومن ينتظر انسحاباً تَعِد به الاتفاقات ويؤجّله الميدان. ما دام السجال الدبلوماسي معلّقاً على عقدة الانسحاب، سيبقى هؤلاء الأكثر عرضةً للنار والأقل حضوراً على الطاولة ــ وهم بالضبط من يجب أن يبدأ منهم أيّ حديثٍ عن الاستقرار.





