قبل الفجر، عاد الرصد نفسه إلى ساحل صور: دويّ المدفعية، ثم أعمدة الدخان، ثم أصوات التفجير المتتابعة. استهدف القصف الإسرائيلي العنيف بلدات المنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في قضاء صور فجر السبت، بالتزامن مع عمليات تفجيرٍ متواصلة، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام ووسائل إعلام لبنانية. لم تكن ليلةً استثنائية بمقاييس الجنوب هذه الأيام؛ لكنّها أضافت حيّاً آخر إلى قائمة ما مُحي عن الخريطة.
«لم يبقَ منزلٌ واحد»
نقلت الوكالة الوطنية أنّ حجم الدمار في بيوت السياد بلغ مستوىً كبيراً، مشيرةً إلى أنّه لم يبقَ، بحسب وصفها، «منزلٌ واحد من دون تدمير» جرّاء القصف وعمليات التفجير المتواصلة. عبارةٌ قصيرة تختصر مصير حيٍّ بأكمله: جدرانٌ صارت ركاماً، وبيوتٌ كانت قبل أسابيع تنتظر أصحابها العائدين، لم يعُد فيها ما يُعاد إليه. وتحدّثت الوكالة عن محاولةٍ لقوةٍ إسرائيلية التقدّم فجراً نحو منطقة بيوت السياد.
فوسفورٌ في الليل
لم يقتصر التصعيد على المدفعية التقليدية. فقد سُجّل، بحسب الوكالة الوطنية ووسائل إعلام لبنانية، قصفٌ بقذائف فوسفورية ليلاً على محاور في الجنوب، من بينها كفررمان وعلي الطاهر، إلى جانب غاراتٍ جوية وتفجيراتٍ واسعة في مناطق عدّة من قضاءَي صور والنبطية. الفوسفور، حين يُستخدم قرب المناطق المأهولة والحقول، يترك أثراً يتجاوز لحظة الانفجار: أرضٌ محروقة، وهواءٌ ملوّث، وخطرٌ يطارد من يحاول البقاء.
المنصوري: حين تصبح العودة أصعب من الرحيل
ليست المنصوري غريبةً عن هذا المشهد. فمنذ إنذار الإخلاء الإسرائيلي في الخامس من آب، أعقبه قصف، عادت البلدة إلى النزوح، ومثلها قرى أخرى في الجنوب باتت أسماؤها تتكرّر في نشرات الاستهداف. أهلها الذين نزحوا مرّةً بعد مرّة يعرفون أنّ كلّ يومٍ من القصف يبعد لحظة العودة أكثر، وأنّ ما يُدمَّر من حجرٍ لا يُبنى بسهولة، وما يُقتلع من ناسٍ وذاكرة أصعب.
سؤال الحماية في مرحلةٍ انتقالية
يقع هذا كلّه في توقيتٍ حسّاس: الجيش اللبناني يتسلّم تباعاً مواقع اليونيفيل قبل انتهاء مهمّتها نهاية العام، والحديث الدولي يدور حول صيغةٍ جديدة لملء الفراغ في الجنوب. لكنّ الأهالي على خطّ النار لا ينتظرون المؤتمرات: سؤالهم اليومي بسيطٌ وثقيل، من يحمي ما تبقّى من قراهم وبيوتهم؟ بين تصعيدٍ لا يتوقّف على الأرض، ومسارٍ سياسي بطيء فوقها، يبقى الجنوب يدفع الثمن الأغلى، ويكتب فصلاً جديداً في سِجلٍّ طويلٍ من الصمود والخسارة.





