في بلدةٍ محاها العدوان الإسرائيلي حتى بلغ الدمار فيها نحو تسعين في المئة، جاءت الإشارة من الضفة الأخرى للمتوسط: توأمةٌ تربط الناقورة، أقصى نقطةٍ لبنانية على الحدود الجنوبية، بمدينة كريّ (Creil) الفرنسية. حضرت الاحتفال النائبة حليمة قعقور، فبدا الحدث أكثر من بروتوكولٍ بين بلديتين: رسالةُ أن هذه الأرض، مهما دُكّت بيوتها، تبقى لبنانية وأهلها ليسوا وحدهم.

توأمةٌ في زمن الركام

التوأمة بين المدن ليست حدثاً احتفالياً عابراً. إنها شكلٌ من أشكال التعاون اللامركزي، تلتزم بموجبه بلديتان بشراكةٍ طويلة الأمد في التنمية والثقافة والتبادل، وغالباً بدعمٍ ملموس لإعادة الإعمار حين تكون إحداهما منكوبة. أن تختار مدينةٌ فرنسية أن تمدّ يدها إلى الناقورة تحديداً، في هذا التوقيت، هو بحدّ ذاته موقف: انحيازٌ إلى بلدةٍ جنوبية دفعت من حجرها وبشرها ثمن عدوانٍ لم تخترْه.

مدينة كريّ الواقعة في مقاطعة الواز (Oise) شمالي فرنسا، والتي يقطنها نحو ستةٍ وثلاثين ألف نسمة، تصبح بذلك شريكةً معلَنة لبلدةٍ حدودية لبنانية تُعاد ولادتها من تحت الأنقاض. وبالنسبة إلى أهل الناقورة، الرسالة مضاعفة: فبعد أشهرٍ من التدمير الممنهج، ومن مشهد الجرافات وعمليات التفجير التي حوّلت أحياءً كاملة إلى غبار، يأتي اعترافٌ من الخارج بأن البلدة ما زالت على الخريطة، وأن اسمها يُكتب اليوم إلى جانب اسم مدينةٍ أوروبية في وثيقة شراكة، لا في نشرة خسائر.

الناقورة: البلدة التي تحرس آخر الحدود

الناقورة ليست بلدةً كأي بلدة. تقع في أقصى الجنوب الغربي للبنان، حيث ينتهي البرّ اللبناني عند رأس الناقورة وصخوره المطلّة على البحر، وتحتضن المقرّ الرئيسي لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) منذ إنشائها في الثالث والعشرين من آذار 1978. موقعها جعلها على الدوام في عين العاصفة، خطاً أمامياً كلّما اشتعلت الجبهة الجنوبية.

وفي العدوان الأخير دفعت البلدة فاتورةً باهظة. فبحسب ما أوردته التقارير، لم تتوقف آلة التدمير عند وقف إطلاق النار، بل تصاعدت بعده: ارتفعت نسبة الدمار من نحو خمسة وثلاثين في المئة عند إعلان وقف النار إلى نحو تسعين في المئة بعد الانسحاب الإسرائيلي. تدميرٌ ممنهج، ومنازل هُدمت، وأحياء فُجّرت بعد الهدنة، وأرضٌ عمرها أجيال تحوّلت إلى ساحةٍ خربة. وسط هذا المشهد، تبدو التوأمة فعلاً مضاداً للمحو.

قعقور والبعد الرسمي

حضور النائبة حليمة قعقور، الدكتورة في القانون الدولي العام وأول امرأة تمثّل الشوف في البرلمان اللبناني منذ انتخابها عام 2022، أعطى الحدث بعداً تشريعياً ورسمياً. حين يقف نائبٌ لبناني إلى جانب توأمةٍ بين بلدةٍ منكوبة ومدينةٍ أوروبية، فهو يربط الجهد المحلي بالمسؤولية الوطنية، ويقول إن ملف إعادة إعمار الجنوب ليس شأناً بلدياً معزولاً، بل قضيةٌ تعني الدولة والدبلوماسية والمجتمع المدني معاً. وحضور قانونيةٍ في القانون الدولي تحديداً يذكّر بأن ما جرى في الناقورة، من تدميرٍ ممنهج بعد وقف النار، مادةٌ للمساءلة القانونية لا للنسيان.

هذا النوع من الشراكات، حين يُبنى بجدية، يفتح أبواباً عملية: تمويل مشاريع، تبادل خبرات في إدارة المدن وإعادة الإعمار، برامج ثقافية وتربوية، وحضورٌ دائم لاسم الناقورة في فضاءٍ أوروبي. وهو ما تحتاجه بلدةٌ مهدّدة بأن تُنسى تحت وطأة الركام.

حين يصبح البقاء مقاومة

في الجنوب، لم تعد المقاومة مفهوماً عسكرياً وحده. الصمود في الأرض، ورفض الرحيل، وإعادة بناء ما هُدم، صارت هي الأخرى وجهاً من وجوه المواجهة. أن يعود أهل الناقورة إلى بلدتهم، وأن يجدوا من يشدّ أزرهم من فرنسا إلى الجنوب، فهذا في جوهره فعل بقاءٍ ينتصر على منطق المحو الذي أراده العدوان.

التوأمة مع مدينة كريّ تندرج في هذا المعنى: تضامنٌ مدني عابرٌ للحدود مع بلدةٍ تُعامَل أحياناً كورقة تفاوض، بينما هي في حقيقتها من أعرق بقاع هذه الأرض وأكثرها تجذّراً فيها. الرسالة التي تحملها الوثيقة أوضح من أي بيان: الناقورة باقية، لبنانية، ولها في العالم من يقف إلى جانبها.

يبقى الرهان على أن تتحوّل هذه التوأمة من رمزٍ إلى برنامج، ومن حفلٍ إلى مشاريع تُعيد الحياة إلى شوارع الناقورة. فالبلدات لا تُبنى بالبيانات، بل بالحجر الذي يُرفع فوق الحجر، وبالناس الذين يعودون.