في مثل هذا اليوم من عام 1978، ابتلعت طرابلس الغرب رجلاً غيّر وجه طائفةٍ ووطن. دخلها السيّد موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، برفقة رجل دينٍ وصحافيّ، ثم انطوت عليهم الأرض. لا جثّة، ولا قبر، ولا اعترافٌ كامل. ثمانية وأربعون عاماً، ولا يزال اللبنانيون يسمّونه «المغيّب» لا «الراحل»، لأنّ الغياب من دون يقينٍ أقسى من الموت.

ليست هذه قصّة اختفاءٍ عابر. إنها حكاية رجلٍ أعطى المحرومين في لبنان صوتاً حين لم يكن لهم صوت، وصاغ لجنوبٍ مهمَلٍ معنى الكرامة، قبل أن يُخطف من التاريخ في ظرفٍ لم يُكشف بالكامل حتى اليوم. في هذا الملف نعيد تركيب الصورة: الرجل، ومشروعه، ورحلته الأخيرة، واللغز الذي لم يُحلّ، والعدالة التي ما زالت معلّقة، والإرث الذي يرفض أن يغيب.

ملفّ خاص · موسى الصدر: ثمانية وأربعون عاماً على التغييب اقرأ حلقات الملف:

أولاً: الرجل، من قمّ إلى صور

وُلد موسى صدر الدين الصدر في الرابع من حزيران 1928 في مدينة قمّ الإيرانية، لأسرةٍ من كبار المرجعيّات الشيعية تعود جذورها إلى جبل عامل في جنوب لبنان. درس العلوم الدينية في قمّ والنجف، وجمع إلى ذلك دراسةً أكاديمية، في مسارٍ جعل منه رجل دينٍ من طرازٍ نادر: عالمٌ يتقن لغة العصر بقدر ما يتقن الفقه.

في نهاية خمسينيات القرن الماضي حطّ الرحال في مدينة صور، خلفاً للسيّد عبد الحسين شرف الدين. وجد طائفةً شيعية مهمَلة، فقيرة، غائبة عن موازين الدولة، يتوزّع أبناؤها بين جنوبٍ يقصفه الإسرائيلي وبقاعٍ منسيّ وضواحٍ فقيرة تلتهمها بيروت. لم يكتفِ الصدر بالمنبر؛ راح يتنقّل من قرى جبل عامل إلى بعلبك والهرمل، محاضراً، مؤسّساً للجمعيات ودور الأيتام والمدارس المهنية، وناسجاً علاقاتٍ مع مختلف الطوائف، داعياً إلى نبذ الطائفية ومكافحة الحرمان. هكذا تحوّل، خلال سنواتٍ قليلة، من عالم دينٍ وافدٍ إلى زعيمٍ اجتماعيّ يصعب تجاهله.

ثانياً: حركة المحرومين، حين صار للمنسيّين صوت

الفكرة المركزية التي حملها الصدر تختصر في كلمةٍ واحدة: الحرمان. رأى أنّ مأساة الشيعة، ومعهم فقراء لبنان كافة، ليست قدراً بل نتيجة إهمالٍ بنيويّ من دولةٍ تخدم المركز وتترك الأطراف تنزف.

في عام 1969 تُوّج هذا المسار بتأسيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، أول إطارٍ رسميّ يمنح الطائفة تمثيلاً مستقلاً، وتولّى الصدر رئاسته. لكنّ المحطة الأبرز جاءت عام 1974: في آذار دعا إلى مهرجانٍ حاشد في بعلبك حضره نحو مئة ألف شخص، تلاه في أيار مهرجانٌ في صور تجاوز حضوره مئةً وخمسين ألفاً. من رحم هذا الحشد وُلدت «حركة المحرومين»، ووُقّعت «وثيقة المثقفين» التي أيّدها أكثر من مئةٍ وتسعين شخصية من قادة الرأي والفكر في لبنان، من مختلف الطوائف. لم تكن حركةً شيعية مغلقة في خطابها المعلن، بل حركةً مطلبية لكلّ محرومٍ في البلد.

وفي عام 1975، ومع انزلاق لبنان نحو الحرب الأهلية، أُنشئ الجناح الذي عُرف لاحقاً باسم «أفواج المقاومة اللبنانية»، أو «أمل». وُلدت الحركة إذاً قبل اختفاء مؤسّسها بثلاث سنوات، لتصبح لاحقاً واحدةً من أبرز القوى في الساحة الشيعية. غير أنّ ما يعنينا في سيرة الصدر ليس مسار الحركة بعده، بل الفكرة التي زرعها: أنّ للمحروم كرامةً، وأنّ الصمت ليس قدراً.

ثالثاً: إمام الحوار، لبنان الذي أراده

يُختزل الصدر أحياناً في البُعد الطائفي، وهذا ظلمٌ لسيرته. فالرجل الذي رفع صوت الشيعة كان في الوقت نفسه من أبرز دعاة العيش المشترك في تاريخ لبنان الحديث. آمن بأنّ قوّة طائفته لا تُبنى على عزلها، بل على اندماجها في وطنٍ جامع.

جسّد ذلك في مواقف بقيت في الذاكرة: خطبه في الكنائس، ودعواته المتكرّرة إلى وحدة اللبنانيين فوق الانقسام المذهبي، وعبارته الشهيرة بأنّ الأديان جاءت لخدمة الإنسان لا لتقاتله. في زمنٍ كانت فيه المتاريس تُرفع على الهوية، اختار الصدر أن يمدّ الجسور. هذا الوجه تحديداً، وجه الزعيم الذي يرفض الانغلاق، هو ما جعله مقلقاً لأكثر من طرفٍ في لحظةٍ إقليمية شديدة الاشتعال.

ولم يكن الجنوب غائباً عن أولوياته يوماً. زار قراه المقصوفة، وجلس بين أهله وأطفاله تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، ورفع قضيّتهم إلى مستوى الأولوية الوطنية. صورة الإمام جالساً وسط أطفال الجنوب في أرضٍ منكوبة ليست مشهداً عابراً، بل تلخيصٌ لمشروعٍ كامل: أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم.

رابعاً: الرحلة الأخيرة إلى طرابلس

في الخامس والعشرين من آب 1978، غادر موسى الصدر إلى ليبيا بدعوةٍ رسمية من العقيد معمّر القذافي للقاء مسؤولين في الحكومة الليبية. رافقه في الرحلة اثنان: الشيخ محمد يعقوب، رجل الدين، والصحافي عباس بدر الدين. كان لبنان يغلي بالحرب، والمنطقة تضجّ بالصراعات، وللصدر خصومٌ كثر في الداخل والإقليم.

المُثبَت الوحيد في القضية بسيطٌ وقاسٍ: أنّ الرجال الثلاثة وصلوا إلى طرابلس أواخر آب، وأنّهم شوهدوا للمرة الأخيرة في فندقهم في الحادي والثلاثين من الشهر، وهم على موعدٍ مع السلطات الليبية. بعد ذلك التاريخ، انقطعت أخبارهم تماماً. لا شهود، ولا أثر مؤكّد، ولا كلمة.

قدّمت السلطات الليبية آنذاك روايتها: إنّ الصدر ورفيقيه غادروا مساء ذلك اليوم على متن رحلةٍ متّجهة إلى روما. لكنّ إيطاليا نفت على الدوام أن يكون الإمام قد دخل أراضيها، وأكّدت المحاكم الإيطالية لاحقاً أنّ رواية السفر إلى روما ملفّقة. من هنا بدأ اللغز.

خامساً: ألف روايةٍ ورواية، لغزٌ لم يُحلّ

مذّاك، نسجت حول اختفاء الصدر عشرات الفرضيات. الرواية الأكثر رواجاً في لبنان، والتي تبنّتها الطائفة الشيعية ومؤسّساتها، تُحمّل النظام الليبي بقيادة القذافي المسؤولية المباشرة عن الاختفاء، وتعتبر أنّ الرجال الثلاثة لم يغادروا الأراضي الليبية أصلاً. هذه القضية ظلّت، ولا تزال، تسمّم العلاقات بين بيروت وطرابلس الغرب.

تراكمت على مرّ العقود مؤشّراتٌ عزّزت هذه الرواية من دون أن تحسمها نهائياً. ففي عام 2004، ظهرت جوازات سفر الصدر والشيخ يعقوب في إيطاليا ضمن محاكمةٍ في روما تتعلّق بتزوير وثائق وانتحال صفة، ما عزّز فرضية أنّ قصّة السفر إلى إيطاليا كانت مسرحيةً محبوكة. أمّا القضاء اللبناني فسار في اتجاه اتهام القذافي، وبقيت القضية مفتوحةً في المحاكم اللبنانية.

الأمانة الصحافية تقتضي التذكير بأنّ مصير الرجال الثلاثة لم يُكشف رسمياً حتى اليوم: لا رفات، ولا محضر إعدامٍ موثّق، ولا اعترافٌ قضائي كامل. لذلك يبقى الصدر، في الوعي اللبناني، «مغيّباً» لا مؤكّد الوفاة. ومع سقوط نظام القذافي عام 2011، تجدّدت الآمال بأن تُفتح الخزائن وتُكشف الحقيقة، لكنّ الفوضى الليبية دفنت الملف مجدّداً تحت ركام دولةٍ منهارة.

سادساً: هانيبال القذافي، حين ينفرط آخر الخيوط

الفصل الأحدث في هذه المأساة الطويلة اسمه هانيبال القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل. ففي كانون الأول 2015، أوقفته السلطات اللبنانية على خلفية القضية، سعياً لانتزاع معلوماتٍ عن مصير الإمام، رغم أنّ هانيبال كان طفلاً لا يتجاوز الثانية أو الثالثة من عمره يوم الاختفاء.

بقي محتجزاً في لبنان قرابة عشر سنوات من دون محاكمة، في ملفٍّ وصفه محاموه بأنه «احتجازٌ سياسيّ»، وتحدّثوا في خريف 2025 عن تدهورٍ «مقلق» في حالته الصحية. وفي العاشر من تشرين الثاني 2025، أُفرج عنه بعد دفع كفالة، ليصبح حرّاً في مغادرة البلاد. هكذا انفرط آخر خيطٍ ملموس ربط لبنان بأملٍ في انتزاع الحقيقة، من دون أن يقدّم الملف أيّ جوابٍ جديد.

مفارقةٌ قاسية تختصر القضية كلّها: بلدٌ يحتجز رجلاً عقداً كاملاً بحثاً عن حقيقةٍ لا يملكها هو وحده، ثم يطلقه من دون أن يقترب خطوةً من الجواب. تظلّ العدالة، بعد ثمانية وأربعين عاماً، معلّقةً في الهواء.

سابعاً: الإرث، لماذا لا يزال حاضراً؟

قد يظنّ ظانٌّ أنّ رجلاً غاب قبل نصف قرنٍ تقريباً صار من الماضي. لكنّ العكس هو الصحيح. لا يزال حضور موسى الصدر يتردّد في الوعي اللبناني، وفي وجدان الجنوب تحديداً، حيث يُستعاد كلّ عامٍ في ذكرى «التغييب» لا الوفاة.

ما تركه الصدر ليس تنظيماً أو منصباً، بل فكرة: أنّ الكرامة حقٌّ للمحروم كما هي حقٌّ للغنيّ، وأنّ الأطراف المنسيّة جزءٌ من الوطن لا هامشٌ عليه. هذه الفكرة، أياً كان الموقف من إرثه السياسي وما تفرّع عنه، تجاوزت شخصه لتصبح جزءاً من لغة الاجتماع اللبناني. وحين يتحدّث أهل الجنوب اليوم عن أرضٍ تُقصف وناسٍ يُهجَّرون ويُنسَون، فإنّهم يستعيدون، من حيث يدرون أو لا يدرون، ذلك الصوت الذي رفض قبل عقودٍ أن يكون الجنوب مجرّد رقمٍ في نشرات الأخبار.

يبقى السؤال المعلّق: أين موسى الصدر؟ سؤالٌ لم تُجب عليه ثمانية وأربعون سنة، وربما لن تُجيب عليه العقود المقبلة. لكنّ بقاءه بلا جواب هو، في ذاته، شهادةٌ على قضيةٍ أكبر من رجل: قضية عدالةٍ منقوصة، وجنوبٍ ما زال ينتظر أن يُسمَع.

خلاصة

ثمانية وأربعون عاماً على اختفاء موسى الصدر، والملف على حاله: لغزٌ بلا حلّ، وعدالةٌ بلا حكم، وإمامٌ بلا قبر. لكنّ ما لم يغب هو الفكرة التي حملها، فكرة أنّ للمحرومين صوتاً وكرامة. في زمنٍ يعود فيه الجنوب إلى واجهة الألم، يبدو أنّ استعادة هذا الرجل ليست حنيناً إلى الماضي، بل تذكيرٌ بسؤالٍ لم يُغلق: من ينصف المنسيّين؟